جريدة الإتحاد - 6/8/2026 12:39:00 AM - GMT (+4 )
عندما كانت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما تتفاوض على اتفاق نووي مع إيران، سألتُ مسؤولي مجلس الأمن القومي: «لماذا تُهدرون كل نفوذكم الاقتصادي، ومواردكم السياسية والدبلوماسية، بينما يمكن حشد هذه الموارد نفسها للضغط على إيران لإنهاء تدخلاتها التي تُزعزع استقرار دول المنطقة؟».
ورغم التحفظ، عندما أُعلن عن «الاتفاق النووي الإيراني»، لاقى التأييد لثلاثة أسباب. أولاً: «الاتفاق النووي» كان تسوية تفاوضية، وهو دوماً أفضل من الصراع.
ورغم تصريحات المتحدثين باسم البيت الأبيض بخلاف ذلك، قدمت كاثرين أشتون، الدبلوماسية البريطانية البارزة المشاركة في المفاوضات، تأكيدات بأن الاتفاق ليس سوى خطوة أولى، وأن سلوك إيران سيكون الخطوة التالية على جدول الأعمال. وكانت هناك آمال بأن تتدخل شخصيات ذات عقليات رشيدة، وأن تُفضي العملية إلى اتفاق أمني إقليمي وإطار عمل للسلام.
أما السبب الثاني، فكان سعي «الجمهوريين» الحثيث لإفشال الاتفاق. فقد كان من غير المعقول أن يدعو زعيماً أجنبياً، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لإلقاء كلمة أمام جلسة مشتركة للكونجرس لحث أعضائه على التصويت ضد رئيسهم. وكان ذلك تدخلاً غير مقبول في السياسة الأميركية.
أما السبب الثالث، ربما الأكثر غرابة، فكان رد الفعل داخل إيران على الاتفاق النووي. وفي استطلاع رأي عقب إعلان الاتفاق، كان هناك تغير ملحوظ في الرأي العام الإيراني، فقد أظهرت استطلاعات سابقة تأييداً واسعاً من الإيرانيين لإنفاق النظام أمواله على حلفائه في لبنان وسوريا والعراق واليمن. ولكن مع بوادر السلام، حوَّل الإيرانيون أولوياتهم نحو الداخل، وتراجع الدعم لتدخلات النظام الخارجية. وبدلاً من توجيه الموارد إلى الخارج، أراد الإيرانيون استخدامها في الداخل لخلق فرص عمل، كما تصاعدت مطالبهم بمزيد من الحريات الشخصية والحقوق السياسية.
وعندما ألغى دونالد ترامب، بعد انتخابه، الاتفاق النووي الإيراني وبدأ بتهديد النظام، أظهر استطلاع انقلاب النتائج، فعندما يشعر المواطنون بأن بلادهم مهددة، يميلون إلى التقليل من انتقاداتهم أو إلى الالتفاف حول راية وطنهم.
وفي السنوات اللاحقة، وفي ظل استمرار مؤشرات العداء من جميع الأطراف، وهي الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، لم يُظهر الوضع أي بوادر تحسن. ورغم وعوده باتفاق أفضل، عمق ترامب العداء. وتولت إدارة بايدن مهمة شاقة تتمثل في إعادة إحياء اتفاق فاشل، وهي مهمة لم تكن ملتزمة بها التزاماً كاملاً. وواصلت إيران سلوكها كفاعل إقليمي مزعزع للاستقرار، بينما كانت تُطلق التهديدات، وتُعزز قدراتها العسكرية.
وسعت دول الخليج العربي إلى إرساء الاستقرار في ظل احتمال الفوضى التي اضطرت لمواجهتها. وعلى عكس إيران، التي قررت استخدام ثروتها لتصدير نفوذها وأيديولوجيتها المعادية للغرب، اتخذت دول الخليج العربي مساراً مختلفاً، حيث ركزت على التنمية والسياحة والتجارة.
وكان استمرار ازدهارها يتطلب بيئة إقليمية مستقرة. ووسط التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، قامت الدول العربية بمد جسور التواصل الدبلوماسي مع إيران، أملاً في بيئة أكثر أماناً في منطقة الخليج. بل إنها تمنت أن يدفع إغراء الازدهار والأمن المشتركين الإيرانيين إلى الانضمام إليها في السعي نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً، وأن يقنع الإسرائيليين بمعالجة جرح التهجير والاحتلال الفلسطيني المزمن، مما يهيئ الظروف للسلام الإقليمي. لكن لم يحالفها الحظ في تحقيق ذلك.
وأرادت إسرائيل تحقيق مكاسب اقتصادية جراء السلام الإقليمي، لكنها لم تكن مستعدة للقيام بدورها، إذ كثفت احتلالها وقمعها وخنق الفلسطينيين. ثم جاءت أحداث السابع من أكتوبر، وانفجرت المنطقة، وفي غضون فترة وجيزة، وبينما كانت إسرائيل تشن حرباً في غزة، انخرط حليف إيران في لبنان في تبادل مصيري ومكلف مع إسرائيل في الشمال، وهو خطأ فادح ذو عواقب وخيمة. وشن الإسرائيليون حملة قصف دامية أسفرت عن مقتل آلاف اللبنانيين، ومن بينهم زعيم حزب الله. وبعد أشهر، هاجمت إسرائيل والولايات المتحدة إيران وقتلتا مرشدها، لترد إيران بإطلاق النار، مما أشعل مواجهة أوسع.
وأسفرت المفاوضات عن ما سُمي «وقف إطلاق النار» الذي استمر خلاله عدد القتلى الفلسطينيين واللبنانيين في التصاعد.
وعندما قرر ترامب، بتحريض من إسرائيل والمحافظين الجدد «الجمهوريين»، «إنهاء المهمة» بهزيمة النظام الإيراني، اتخذ الصراع طابعاً جديداً. وكثفت إيران هجماتها على دول الخليج العربي المجاورة وأغلقت مضيق هرمز، مما أدى إلى قطع 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية، وأثر سلباً على اقتصادات منطقة الخليج.
وهكذا، بعد مرور عقد من الزمان على «الاتفاق النووي الإيراني»، أصبح الشرق الأوسط ومنطقة الخليج في مكان أكثر خطورة من أي وقت مضى. ورغم أن الوضع أصبح أكثر تعقيداً مما كان عليه قبل عقد، ورغم أن العداء بين الأطراف كافة أعمق كثيراً، فإن المضي إلى الأمام يتلخص في الاعتراف بأن النهج التدريجي في التعامل مع المنطقة لم يسفر إلا عن زيادة زعزعة أمن المنطقة.
وبرغم صعوبة تصور الأمر الآن، فإن المطلوب هو العمل نحو إطار أمني إقليمي مبني على عدم الاعتداء، وعدم التدخل، واحترام سيادة الدول كافة، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، والاعتراف بالحقوق الفلسطينية. ويستلزم ذلك الاعتراف بأنه لا توجد حلول عسكرية للقضايا السياسية في المنطقة.
وفي الواقع، فإن كل جولة عنف لا تؤدي إلا إلى تفاقم المشاكل القائمة، وهو ما يمثل مهمة صعبة تتطلب قيادة ذكية وشجاعة ورؤية ثاقبة. ورغم عدم توافر تلك المقومات حالياً، لكنها ضرورية، وهي الهدف الذي يجب أن نوجه جهودنا نحوه.
*رئيس المعهد العربي الأميركي- واشنطن
إقرأ المزيد


