جريدة الإتحاد - 6/13/2026 11:27:55 PM - GMT (+4 )
يُعد شهر يونيو شهر التراث الوطني للمهاجرين، وهو مناسبة للاحتفاء بتنوع الشعوب والثقافات التي أسهمت في صُنع عظمة الولايات المتحدة. وفي العام الحالي، حيث لا يقتصر التحدي على الهجرة والتنوع الثقافي فحسب، بل يمتدُّ ليشمل طمس التاريخ المعقّد لبلادنا، يجب علينا التوقف والتأمل في سجلِّ تاريخنا وكيف وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم كدولة وكشعب.
وفي المقام الأول، ينبغي ألا ننسى أبداً أن هذه البلاد قامت على «خطيئتين أصليتين»: العبودية والإبادة الجماعية. حيث تسعى الإدارة الحالية في واشنطن إلى إعادة كتابة تاريخنا من خلال حذف ذكر الأحداث والممارسات السلبية التي طبعت ماضينا، والتركيز على «عظمة واجتهاد» الآباء المؤسِّسين و«انتصاراتهم المجيدة».
لكن في الحقيقة، ما كانت أميركا لتنشأ لولا الثروة الطائلة التي أنتجها المستعبَدون في الجنوب، والثروات التي تراكمت لدى من استفادوا من سلب أراضي السكان الأصليين. ولا ينبغي كذلك أن نغفل، كما يحدث بالفعل، عن أن إعلان الاستقلال أورد ضمن مبررات الحرب ضد الإمبراطورية البريطانية شكوى المستوطنين الأميركيين من أن الملك جورج الثالث لم يوفّر لهم الحماية من «الهنود المتوحشين عديمي الرحمة»، في إشارة إلى السكان الأصليين الذين كانوا يقاومون سلب أراضيهم. وبالطبع، فإن الحرب الأهلية الأميركية لم تُخض أساساً بهدف إنهاء العبودية البغيضة، بقدر ما كانت تهدف إلى الحدّ من نفوذ الولايات الجنوبية وكبح نزعتها الاستقلالية.
ومع اتساع البلاد ودخولها العصر الصناعي، ظهرت الحاجة إلى بناء بنية تحتية لنقل الأفراد والبضائع، واستخراج الفحم لتوليد الطاقة، وتشغيل المصانع، مما فتح الأبواب أمام مهاجرين جُدد من بلدان بعيدة. حيث بنى الصينيون خطوط السكك الحديدية، وحفر الإيرلنديون القنوات، وعمل الإيرلنديون وسكان أوروبا الشرقية والوسطى في المناجم، وانضم إليهم في المناجم والمصانع الإيطاليون واليونانيون والعرب.
ورغم احتياج أميركا إلى هؤلاء المهاجرين الجُدد لنموّها وازدهارها، فإن وجودهم المتزايد وثقافاتهم الفريدة أثارا ردود فعل عنيفة بين المستوطنين الأوائل من شمال غرب أوروبا، الذين اعتبروا أنفسهم السكان الأصليين و«الأميركيين الحقيقيين». وتعرّض «المهاجرون الجدد» للازدراء والتمييز، وتعرّضوا للعنف ،سواء من الدولة أو من الجماعات الأهلية.
ومن المؤسف أننا نشهد اليوم تكرار النمط ذاته في تعامل الأميركيين مع أحدث موجات المهاجرين. ففي دراسة بارزة أعدّها جيفري كاي لمركز سياسات الهجرة قبل نحو 15 عاماً، تناول تاريخ الهجرة في إحدى بلدات ولاية بنسلفانيا. ويشير إلى أن الصحف المحلية وخطابات أعضاء المجلس البلدي كانت تصف المهاجرين بأوصاف سيئة، كما تعرّض الجميع للاستهزاء بسبب «لغاتهم الغريبة» وعدم اندماجهم في المجتمع. والمفارقة المأساوية أن أحفاد تلك الجماعات أنفسهم باتوا اليوم بعد قرن من الزمان يوجّهون الاتهامات ذاتها إلى المهاجرين الجُدد القادمين في معظمهم من بلدان أميركا اللاتينية. وما يغيب وسط هذا التكرار المؤسف للتاريخ، هي الدروس التي كان ينبغي أن نتعلّمها والفوائد التي جنتها أميركا طوال تاريخها. نعلم اليوم أن المستوطنين الإنجليز الأوائل في نيويورك والمستعمرات الشرقية تعلّموا دروساً في الحكم والزراعة من السكان الأصليين، ومع ذلك وصفوهم بـ«المتوحشين».
ونعلم أن العمل الشاق، دون أجر، كان مصدر ثروة مُلاك الأراضي البيض في الجنوب، رغم احتقارهم للسود ووصفهم لهم بالكسل.
وينطبق الأمر نفسه على مهاجري العصر الصناعي. فرغم التعصب والعنف الذي عانوه، يمكننا أن نتساءل: «ماذا ستكون أميركا اليوم لولا العمل الجاد والإبداع الذي قدّمته تلك المجتمعات المهاجرة؟» بل كيف كان سيكون حال الطعام الأميركي، والأزياء والموسيقى والفن والفكاهة والأدب والدبلوماسية وغيرها، لولا إسهامات الأميركيين من أصول أفريقية، والمهاجرين الصينيين، والإيطاليين، واليونانيين، والبولنديين، والإيرلنديين، واليهود، واللاتين، والعرب وغيرهم الكثير؟
والخلاصة بسيطة وواضحة: ما يجعل أميركا عظيمة حقاً هو تنوّعها وقدرتها الفريدة على استيعاب شعوب وثقافات متعدّدة وصهرها في مجتمع واحد. أما ما يهدّد هذه العظمة فهو أن ننسى هذه الحقيقة، وأن نسعى إلى اختلاق تاريخ مزيّف وتلميع ثقافتنا وإخفاء جوانبها الحقيقية.
*رئيس المعهد العربي الأميركي- واشنطن.
إقرأ المزيد


