جريدة الإتحاد - 6/16/2026 11:03:54 PM - GMT (+4 )
الحرب التي تبدأ من العقل وتنتهي بإعادة تشكيل الأمة أنهت أسطورة أن السيطرة على الأرض هي جوهر القوة. وبعكس ما كان يحدث طوال التاريخ من حشد للجيوش، وبناء للحصون، وتكديس للأسلحة، جاء القرن الحادي والعشرون ليكشف حقيقة مختلفة وأكثر تعقيداً، فالدولة قد تحمي حدودها بالكامل، وتؤمن أجواءها وبحارها، وتمتلك اقتصاداً قوياً وقوات مسلحة متطورة، لكنها قد تجد نفسها أمام مجتمع يتغير من الداخل بصورة تدريجية من دون أن تعبر دبابة واحدة حدودها أو تسقط عليها قذيفة واحدة.
هذا التحول قاد إلى بروز مفهوم جديد يمكن تسميته «الهندسة العكسية للمجتمعات»، وهو مفهوم يقوم على دراسة المجتمع كما يدرس المهندس نظاماً معقداً، ليس بهدف فهم مكوناته فقط، بل بهدف اكتشاف القواعد الخفية التي تحركه وتحدد طريقة تفكيره واستجابته للأحداث. فالمجتمعات لا تتحرك عشوائياً. لكل مجتمع منظومة تشغيل غير مرئية تتكون من القيم والعادات والمعتقدات والرموز الثقافية والقصص التاريخية والذاكرة الجمعية وأنماط التربية والتعليم والإعلام والترفيه. هذه العناصر مجتمعة تشكل ما يمكن وصفه بالعقل الجماعي للأمة. وعندما يتم فهم هذا العقل الجماعي بصورة دقيقة يصبح بالإمكان التنبؤ بسلوك المجتمع، بل والتأثير فيه.
ولعل أخطر ما توصلت إليه الدراسات الحديثة في الإعلام وعلم الاجتماع السياسي أن التأثير في المجتمعات لا يحدث غالباً عبر الإقناع المباشر، بل عبر إعادة تعريف ما يعتبره الناس طبيعياً أو مقبولاً أو مرغوباً. فالأفلام والمسلسلات والأغاني والمسرح ومنصات التواصل الاجتماعي لا تنقل رسائل فحسب، بل تعيد تشكيل التصورات الذهنية تدريجياً. ومع مرور الوقت لا يتغير الرأي فقط، بل يتغير معيار الحكم على الأشياء نفسها. وقد بينت دراسات عديدة في علوم الاتصال أن التعرض المتكرر للمحتوى الإعلامي يسهم في تشكيل إدراك الأفراد للواقع الاجتماعي. وتعرف هذه الظاهرة في الأدبيات العلمية بنظرية الغرس الثقافي، والتي تشير إلى أن الإنسان لا يتبنى تصوراته من تجاربه المباشرة فقط، بل أيضاً من الصور الذهنية التي يتعرض لها بشكل مستمر عبر وسائل الإعلام والثقافة الشعبية.
ومن هنا يصبح قطاع الترفيه والتسلية بكل أنواعه أخطر من كونه مجرد صناعة، وتتحول الأغنية إلى أكثر من مجرد لحن، ويتجاوز المسلسل كونه قصة درامية. فكل عمل ثقافي يحمل داخله تصوراً معيناً للعالم وللإنسان وللعلاقات الاجتماعية وللنجاح والفشل والبطولة والأسرة والانتماء. ناهيك عن مشاهير التواصل الاجتماعي ومساهمتهم الكبرى في تشكيل العقول والميول، وعندما تتكرر هذه التصورات آلاف المرات عبر سنوات طويلة فإنها تبدأ بإعادة تشكيل البنية الفكرية للمجتمع من دون أن يشعر أغلب أفراده بذلك، وبالتالي المجتمعات لا تتبنى القيم فقط من خلال المدرسة أو الأسرة، بل أيضاً من خلال الأحداث والتفاعل الرقمي والفيديوهات التي تشاهدها والأبطال الذين تعجب بهم والنماذج التي تتكرر أمامها يومياً.
على سبيل المثال، أظهرت أبحاث في نظرية الغرس الثقافي (Cultivation Theory) التي طورها الباحث «George Gerbner» أن التعرض الطويل للمحتوى الإعلامي يمكن أن يؤثر في الطريقة التي يدرك بها الأفراد الواقع الاجتماعي، حتى لو لم يكن ذلك التأثير مباشراً أو فورياً. ولهذا نجد أن التأثير الثقافي غالباً ما يمر بعدة مراحل، يبدأ بتطبيع الفكرة والتكرار وجعل الطرح اعتيادياً وغير مستغرب، ويعتاد الناس على رؤية الأمور حتى لو ظلوا يرفضونها، وصولاً إلى القبول الاجتماعي وإعادة تعريف القيم لتصبح جزءاً من الثقافة السائدة، وصناعة الهوية الوطنية، وتفكيك المجتمع إلى مجتمعات أصغر مع صعود المنصات الرقمية والخوارزميات، حيث أصبح الأفراد أكثر ميلاً للانتماء إلى مجموعات فرعية قائمة وقبائل رقمية وفقاعات اجتماعية، حيث يعيش كل فريق داخل بيئة معلوماتية مختلفة نسبياً عن الفريق الآخر. ومن منظور الأمن الاجتماعي والاستراتيجي، فإن الخطر لا يكمن في التنوع ذاته، بل في لحظة فقدان «القصة المشتركة» التي تربط الجميع. فالمجتمعات تستطيع استيعاب اختلافات دينية وثقافية وسياسية واسعة، لكنها تواجه تحديات أكبر عندما تتآكل الرواية الوطنية أو الهوية الجامعة التي تجعل المجموعات المختلفة ترى نفسها جزءاً من كيان واحد.
إن أخطر أشكال الهندسة العكسية للمجتمعات لا تستهدف تغيير القوانين أو الحكومات في البداية، بل تستهدف تغيير المعاني. فعندما يتغير معنى الأسرة يتغير المجتمع. وعندما يتغير معنى الانتماء تتغير الهوية. وعندما يتغير معنى التضحية أو المسؤولية أو الوطنية أو النجاح، تبدأ منظومة القيم بأكملها في إعادة تشكيل نفسها. ولهذا لم تعد المنافسة بين الدول تدور فقط حول الاقتصاد أو التكنولوجيا أو التسليح، بل أصبحت تدور أيضاً حول القدرة على إنتاج الرواية الثقافية الأكثر تأثيراً. فالقوة في العصر الحديث لا تكمن فقط في القدرة على فرض الواقع، بل في القدرة على تعريف الواقع نفسه.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.
إقرأ المزيد


