ما بعد الاتفاق الأميركي الإيراني.. مقاربة خليجية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

ضمن السياق العام  لما بعد الاتفاق الأميركي الإيراني الأخير، قال معالي الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، في تدوينة عبر حسابه على منصة (إكس): «ونحن نقترب من توقيع الاتفاق المرتقب بين واشنطن وطهران، بما يطوي صفحة الحرب ويفتح مساراً سياسياً نأمل أن يكون ناجحاً، لا يسعنا إلا أن نشيد بتعامل قيادتنا الرشيدة مع هذه الأزمة وتداعياتها.. فقد جمعت بين الحكمة والثبات في المواقف، والمرونة عندما استوجبت المرحلة ذلك». 
ولا تزال تفاصيل الاتفاق الأميركي الإيراني غير واضحة بالكامل، لكن مجرد الحديث عن تفاهم واسع بين واشنطن وطهران يفرض إعادة قراءة التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ولا سيما في منطقة الخليج العربي. فنجاح اتفاق شامل قد يمثّل نقطة تحوّل استراتيجية تُعيد تشكيل موازين القوى وتطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الأمن الإقليمي.
والسؤال الأكثر حضوراً يتمثّل في مدى استعداد الولايات المتحدة لإعادة ترتيب أولوياتها في المنطقة. فمنذ سنوات، تتجه الاستراتيجية الأميركية نحو تقليص الانخراط العسكري المباشر في الشرق الأوسط، والتركيز على المنافسة مع الصين وروسيا. وفي هذا السياق، قد ترى واشنطن أن احتواء إيران عبر اتفاق طويل الأمد أقل تكلفةً من استمرار المواجهة المفتوحة.
ومن منظور خليجي متحفّظ، قد يؤدي الاتفاق إلى رفع العقوبات وتدفق الموارد المالية إلى إيران، بما يمنحها قدرةً أكبر على إعادة بناء اقتصادها وتعزيز نفوذها الإقليمي. كما قد تتحول طهران من دولة معزولة إلى شريك تفاوضي ضمن ترتيبات أمنية ترعاها الولايات المتحدة، بعد سنوات من التعامل معها باعتبارها خصماً رئيسياً.
وتُثير هذه الاحتمالات مخاوف من تراجع المظلّة الأمنية الأميركية التقليدية لدول الخليج العربية، خاصة في ظل استمرار النفوذ الإيراني في عدد من الساحات العربية، وفي مقدمتها العراق ولبنان واليمن. لكن هذا التصور يواجه معطيات جديدة، فدول مجلس التعاون الخليجي اليوم ليست كما كانت قبل عِقدين، فقد عزّزت قدراتها الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية، وأصبحت شريكاً رئيسياً في أسواق الطاقة والاستثمار والتكنولوجيا العالمية، بما يمنحها هامشاً أوسع لحماية مصالحها وصون أمنها.
 وفي المقابل، ترى مقاربة أخرى أن أي اتفاق متوازن، قد يخدم أمنَ الخليج إذا أسهم في خفض احتمالات الحرب، وحماية التجارة الدولية، وضمان أمن الممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي تمرُّ عبره نسبة مهمة من صادرات النفط والغاز العالمية.
غير أن نجاح الاتفاق سيظل مرهوناً بمدى قدرته على معالجة القضايا الجوهرية، وفي مقدمتها برامج الصواريخ الباليستية، وأنشطة الوكلاء الإقليميين، وحرية الملاحة، واحترام سيادة الدول، والالتزام بمبادئ الأمن الجماعي. أما إذا اقتصر الاتفاق على الملف النووي ورفع العقوبات دون معالجة مصادر التوتر الأخرى، فستنظر إليه عواصم خليجية عديدة باعتباره مكسباً استراتيجياً لإيران على حساب التوازن الإقليمي.
وفي المقابل، فإذا اقترن الاتفاق بضمانات أمنية واضحة وقيود فعالة على القدرات العسكرية الإيرانية، فقد يُصبح فرصةً لبناء نظام إقليمي أكثر استقراراً.
وقد أكدت دولة الإمارات مراراً أن أي تسوية مستدامة يجب أن تعالج مُجمل مصادر التهديد، لا الملف النووي وحده، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الأمن الإقليمي مسؤولية جماعية تتطلب الحوار والتعاون واحترام السيادة.
 ويبقى السؤال مفتوحاً: هل سيكون الاتفاق بوابةً لاحتواء إيران وفتح صفحة جديدة من التعاون الإقليمي، أم مدخلاً لشرعنة النفوذ الإيراني؟ الإجابة ستتوقف على تفاصيل الاتفاق وقدرته على تحقيق توازن مستدام يحفظ أمن الخليج واستقرار المنطقة.
يبدو أن الرئيس ترامب، بدأ يفكر في التقارب مع إيران لكسبها، بعيداً عن الصين وروسيا. والشغف الأميركي قديم تجاه إيران، وكذلك الأمر بالنسبة للإيرانيين تجاه أميركا. وسيحاول ترامب في النهاية إبرام صفقة جديدة مع إيران لتتويج انتصاراته.


*سفير سابق



إقرأ المزيد