جريدة الإتحاد - 6/16/2026 11:12:20 PM - GMT (+4 )
أثار الاشتباه في وفاة لاعب كرة قدم محلي بفيروس الإيبولا غضب أسرته وسكان منطقته في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، بعدما مُنعوا من استلام جثمانه ونقله إلى مسقط رأسه لدفنه. وسرعان ما تحوّل الموقف إلى أعمال عنف، حيث اقتحم بعض الشباب المستشفى وأضرموا النار في خيام مخصّصة لعلاج مرضى الإيبولا.
وفي خضم هذه التوترات، انضمت عالمة الأنثروبولوجيا جوليان أنوكو إلى جهود منظمة الصحة العالمية لمواجهة التفشي، مؤكدةً أن نجاح مكافحة الإيبولا لا يعتمد على الخبرة الطبية وحدها، بل على كسب ثقة المجتمعات المحلية، حيث ترى أن استقدام المئات من أفضل الخبراء، وآلاف الأطباء المتميزين، لن يأتي بفائدة إذا لم يثق بهم السكان. وتنضم الدكتورة أنوكو إلى جهود أوسع لتهدئة المخاوف والشكوك الغاضبة في المجتمعات المحلية، التي تُعد بؤرة تفشي فيروس إيبولا في مقاطعة إيتوري شرق الكونغو الديمقراطية. فمنذ اكتشاف المرض لأول مرة هناك، أواخر أبريل الماضي، سُجلت أكثر من 500 حالة مؤكدة.
وقد حذّرت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة مؤخراً من أنه إذا لم يتم احتواء المرض بسرعة، فقد يصبح أحد أكبر تفشيات فيروس إيبولا في التاريخ المُسجل. وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، إن المعلومات المضللة خطيرة بنفس خطورة الفيروس، وتنتشر بنفس السرعة، مؤكداً هو الآخر أن كسب ثقة المجتمعات والحفاظ عليها هو الأساس. وكانت الدكتورة أنوكو، على مدى العقد الماضي، تؤكد على بناء الثقة بالتحديد، لأنها تكاد تكون معدومة في هذا الجزء من الكونغو الديمقراطية، حيث تعاني إتوري، المقاطعة التي يتركز فيها تفشي الإيبولا حالياً، من حرب أهلية منذ أكثر من عقدين. وقد أدى القتال بين الحكومة الكونغولية ومجموعات متناوبة من الجماعات المتمردة إلى تأجيج الصراعات بين المجتمعات المحلية، وتشريد قرابة مليون شخص، وإفقار المنطقة الغنية بالمعادن إلى كثير من شروط الحياة الكريمة.
وفي الوقت نفسه، اعتاد السكانُ رؤيةَ كثير من المترفين القادمين من خارج المقاطعة، من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة إلى السياسيين القادمين من العاصمة، وكذلك بعض موظفي المنظمات الدولية الكبرى.. يمرون بالمنطقة حاملين أجنداتهم الخاصة «الغامضة». وخلال الأسابيع الأخيرة، تدفق الوافدون مجدداً إلى إيتوري، لكن هذه المرة لمواجهة الإيبولا الذي تصفه منظمة الصحة العالمية بأنه «حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقاً دولياً».
ويقول كينيدي ويما، الباحث في الاستجابات الاجتماعية لتفشي الإيبولا في معهد برنهارد نوخت لطب المناطق الاستوائية في هامبورغ بألمانيا، إن هؤلاء الوافدين قد يصلون بخطط طوارئ لمواجهة الأزمة، لكنهم يجلبون معهم أيضاً موارد ضخمة إلى منطقة يفتقر سكانها إلى أبسط مقومات الحياة واقتصادها منهك بسبب الحرب. ويضيف أن السكان لا يستوعبون كيف يمكن حشد كل هذه الموارد من أجل مرض واحد فقط، بينما لم تُحشد موارد مماثلة من قبل لضمان أمنهم وحمايتهم.
ويؤكد أن هذا الشعور يولد الشكوك والغضب، لاسيما عندما يتقاضى العاملون المحليون أجوراً أقل من العاملين القادمين من الخارج. كما تسهم هذه الشكوك في انتشار الشائعات بسرعة داخل المجتمعات المحلية. وهناك مشكلة تتعلق بالنهج نفسه، حيث توضح الدكتورة أنوكو أن القائمين على الاستجابة غالباً ما ينشغلون بمحاولات وقف انتشار المرض، لدرجة أنهم قد يغفلون أحياناً عن حقيقة أن الأرقام في جداولهم حول الحالات المشتبه بها والمؤكدة، وأعداد المتوفين والمتعافين، ليست مجرد بيانات بل الأمر هنا يتعلق ببشر أيضاً. وخلال تفشي المرض بين عامي 2018 و2020، حاولت أنوكو تصحيح هذا النهج بوضع نفسها مكان الأهالي بشكل مباشر أحياناً، حتى إنها دخلت كيساً مخصصاً لنقل الجثامين لتختبر عملياً تجربة التعامل مع الوفيات وتتفهم الشكاوى فيما يتعلق بدفن الموتى.
كما حاولت استيعاب تعامل السكان بعنف مع سيارات الإسعاف أو مراكز العلاج، عبر تخيل آلامهم الشخصية، مؤكدةً أن هدفها هو تقديم تعاطف حقيقي يعكس ما كانت تتمنى أن تتلقاه في أصعب لحظاتها. وعندما بدأ المستجيبون في التواصل مع المجتمعات بنوع من التعاطف على نطاق واسع، ارتفع القبول المحلي للاستجابة بشكل كبير. إلا أنه في ظل تفشي الوباء الحالي، قد يبدو الوضع أحياناً مُرهقاً، وهو ما أدى إلى ازدياد التوترات وأعمال العنف خلال الأسابيع الأخيرة. وتقول الدكتورة أنوكو إن السبيل الوحيد للمضي قدماً هو «إظهار التواضع والتعاطف». وتختتم بالقول: «بدأ التفشي داخل تلك المجتمعات، ومن داخلها أيضاً سنتمكن من إنهائه».
*صحفية متخصصة في شؤون أفريقيا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»
إقرأ المزيد


