جريدة الإتحاد - 6/20/2026 12:30:23 AM - GMT (+4 )
يشترك قادة إسرائيل وإيران و«حزب الله» و«حماس» في أمر واحد وهو أنهم جميعاً لا يرغبون في تشكيل لجنة تحقيق في أدائهم في أحدث صراع في الشرق الأوسط. لذا يمكن تلخيص نتائج التحقيق المحتمل بكلمتين تنطبق عليهم: «لقد خسرتم». وبذلك نستطيع توفير الوقت والمال اللازمين لإجراء تحقيق داخلي.
لقد خسر الجميع بالفعل في حرب الشرق الأوسط، ومع أنها لم تنتهِ بعد، إلا أن الخسارة الشاملة واضحة، بل إن أحد أسباب استمرارها هو أن أغلب قادة تلك الدول والحركات المسلحة يدركون أن التاريخ يراقبهم، وأنه بمجرد صمت المدافع، ستكون هناك محاسبة سياسية واقتصادية قاسية.
وقد بدأت «حماس» هذه الجولة من الصراع في 7 أكتوبر 2023 بهجوم داخل إسرائيل من خلال قطاع غزة، حيث قُتل أكثر من 1200 شخص وخُطف أكثر من 250 آخرين. وكانت «حماس» تراهن على أن يؤدي الهجوم إلى انتفاضة إقليمية تشارك فيها قوى «المقاومة» بما يشمل «حزب الله» وإيران وربما بعض الدول العربية، بما يفضي إلى إبادة إسرائيل.
ولم تخض «حماس» تلك الحرب بنية سلمية أو خريطة سلام للتعايش بين الفلسطينيين والإسرائيليين بين نهر الأردن والبحر المتوسط، بل كانت خطتها العسكرية تركز على استهداف أكبر عدد ممكن من الإسرائيليين في المناطق الحدودية التي هاجمتها.
ورد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية المتشددة بحرب شاملة، وبسبب تمركز مقاتلي «حماس» داخل المناطق المدنية، ورفض الحركة السماح للسكان بالاحتماء في شبكة الأنفاق التي حفرتها، تعرض المدنيون في غزة لخسائر هائلة جراء الرد الإسرائيلي العنيف. فوفقاً وزارة الصحة في غزة، تجاوز عدد القتلى 70 ألفاً، غالبيتهم من المدنيين وبينهم آلاف الأطفال، فيما أصيب أكثر من 170 ألف شخص، وهو ما يمثّل نحو 10% من سكان القطاع قبل الحرب.
واعتبر يحيى السنوار، زعيم «حماس»، تلك الخسائر «تضحيات ضرورية» لخدمة القضية الفلسطينية عالمياً. ولم يعُد الفنانون والأكاديميون الإسرائيليون موضع ترحيب في كثير من أنحاء العالم اليوم. كما وفّرت الحرب الإسرائيلية غطاءً للمعادين للسامية للظهور مجدداً.
ورغم أن نتنياهو هزم «حماس» عسكرياً، إلا أنه لم يتبنَ أو يرحِب ببديل فلسطيني معتدل. لذا، بدت عمليات قتل المدنيين الفلسطينيين خلال الحرب للعالم أجمع بأنها لا تهدف إلى تمهيد الطريق لحكم فلسطيني أفضل، بل إلى منع وجود أي فلسطينيين في غزة.
وبحساب المكاسب والخسائر، أنفقت إسرائيل مليارات الدولارات، وألحقت ضرراً بسمعتها الدولية، وخسرت جانباً مهماً من التأييد الذي كانت تحظى به داخل الأوساط الليبرالية في الولايات المتحدة وأوروبا، بينما ما زالت «حماس» تسيطر على نحو 40% من غزة، ولا يلوح أي أفق حقيقي للسلام. واتخذ نتنياهو أغلب تلك السياسات للحفاظ على دعم حلفائه من اليمين المتشدد الذين يبقونه في السلطة وحتى يتجنب تداعيات قضايا الفساد التي يواجهها.
أما «حماس»، فلم تُشكل هي الأخرى أي لجنة تحقيق. ومهما يكن النصر التكتيكي الذي حققته للقضية الفلسطينية، فلن يُترجم إلى مكسب سياسي دائم لإقامة دولة فلسطينية، لأنها، مثل نتنياهو، ترفض فكرة تقاسم الأرض بين شعبين. ونتيجة لذلك، هناك نحو مليوني فلسطيني في غزة يعيشون الآن أوضاعاً أكثر بؤساً أعظم من أي وقت مضى.
ومن جانب آخر، فقد جر «حزب الله» لبنان بأسره إلى حرب مع إسرائيل لم يصوِّت لصالحها اللبنانيون، ومن الواضح أنها كانت مرتبطة بالمصالح والرغبة الإيرانية، لأنه قبل 7 أكتوبر 2023، لم تكن إسرائيل تحتل شبراً واحداً من الأراضي اللبنانية. أما الآن، فتنشر إسرائيل قوات في جميع أنحاء جنوب لبنان، وردت على هجمات «حزب الله» على شمال إسرائيل بتحطيم القرى الشيعية هناك والأحياء الشيعية في بيروت. لقد تحوّل ما يقرب من مليون لبناني إلى لاجئين في بلدهم، كما كشف حزب الله حقيقته كجيش من المرتزقة يعمل لصالح مموليه الإيرانيين، وليس مصالح لبنان أو حتى الشيعة اللبنانيين.
أما بالنسبة للجبهة الإيرانية، فمن الواضح الآن أن الرئيس دونالد ترامب ونتنياهو دخلا حرباً مع نظام للإطاحة به عن طريق القصف الجوي ولم تكن لديهما خطة بديلة، إذا لم تنجح الخطة الأولي، وهو ما حدث بالفعل.
ولكن إيران كانت تمتلك خطة بديلة، وبمجرد نجاة النظام من الهجوم الأميركي الإسرائيلي الأولي، وإن كانت قد مُنيت خسارة العشرات من كبار المسؤولين والقادة العسكريين والمعدات العسكرية، فرضت طهران حصاراً على مضيق هرمز، مما أدى إلى اختناق نحو 20% من إمدادات النفط الخام العالمية. كما هاجمت حلفاء أميركا في الخليج العربي، في رسالة إلى ترامب مفادها أنها قادرة على زعزعة استقرار المنطقة، وإحداث أزمة نفط عالمية.
ولا يريد قادة إيران بالطبع المشاركة في أي تحقيق داخلي، لأنهم ركزوا على حماية النظام أكثر من تحسين حياة الإيرانيين. في حين سيكون أول سؤال يواجههم أمام لجنة التحقيق وأمام شعبهم هو: ماذا حققت إيران من الأموال الضخمة التي أنفقتها على برنامجها النووي وتوسيع نفوذها الإقليمي في لبنان والعراق واليمن وسوريا ودول الخليج؟
وبالنسبة لترامب، فلا يزال بإمكانه تحقيق إنجاز مهم من هذه الحرب إذا تمكن من إقناع طهران بتسليم كل ما لديها من اليورانيوم لصنع قنبلة نووية. لكن في المرحلة الحالية، لن يحدث ذلك إلا إذا أعطى ترامب فرصة جديدة للحياة لهذا النظام الرهيب في طهران. وذلك لأن إيران لن توافق بالتأكيد على التخلي عن موادها النووية ما لم يقبل ترامب، على الأقل ضمنياً، سيطرة إيران الفعلية على مضيق هرمز، ونقل مليارات الدولارات من الأصول المجمّدة إلى إيران، ورفع العقوبات الاقتصادية. وبذلك، سيكون الرئيس الأميركي الذي وعد إيران بـ«الاستسلام غير المشروط» يحقّق بقاءها غير المشروط. ولن يرغب ترامب في قيام أي لجنة تحقيق تابعة للكونجرس بفحص فن تلك الصفقة.
خلاصة القول: إن الحرب التي بدأت في 7 أكتوبر 2023، أطلقها ونفّذها رجال سيئون، وضعوا مصالحهم وأوهامهم قبل تطلعات شعوبهم البسيطة في حياة كريمة. وإذا كان هناك بصيص من الأمل، فهو أن المعاناة الناجمة تُجبر جميع الأطراف على وقف إطلاق النار.
*كاتب أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
إقرأ المزيد


