جرينسبان.. تركة ما بعد الرحيل
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في ذروة مجده، عندما كانت واشنطن بأسرها تعتمد على نصائحه، تخيل آلان جرينسبان أن الكونجرس ابتكر لعبة جديدة تُدعى «زيبسويتش»، ودعاه لرئاستها. وفي هذا التصور الساخر، كان سيعترض قائلاً «ماذا؟ لا أعرف ما هي القواعد»، لكن الكونجرس كان سيصر على اختياره، بسبب قناعة المشرعين المطلقة بمعرفته الواسعة.

وشارك جرينسبان، الذي توفي الاثنين الماضي عن عمر يناهز 100 عام، هذه التأملات مع زملائه في عام 1995، عندما لم يكن قد أمضى بعد نصف فترة رئاسته لمجلس الاحتياطي الفيدرالي التي امتدت نحو عقدين. ومع ذلك، كان أحد عناصر إرثه واضحاً بالفعل، فحتى في ذلك الوقت، كان قد اكتسب نفوذاً استثنائياً، مما دفع بعض المعلقين إلى القول إنه كان أكثر أهمية من الرئيس نفسه.

وكانت هناك قمصان تحمل صورة آلان جرينسبان ودمى تجسّد شكله، فقد كان أشهر خبير في عصر كانت تُحتفى فيه بالحكمة التكنوقراطية. وكان أبطال الاقتصاد الأميركي آنذاك، من خبراء التكنولوجيا في وادي السيليكون إلى سحرة وول ستريت، يتبنون التجريبية والواقعية والذكاء غير المتكلف، وهي الفضائل التي جسدها جرينسبان. ولاحظ اثنان من الاقتصاديين المعروفين بواقعيتهما أن الأسواق المالية تنظر الآن إلى جرينسبان وكأنه معصوم من الخطأ. وكما تُظهر قصة زيبسويتش، كان جرينسبان يُحب المزاح بشأن شهرته والسخرية من سمعته كشخصية تتحدث بعبارات غامضة. ومنذ ولايته الأولى في واشنطن، كرئيس لمجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس جيرالد فورد، سعى جرينسبان جاهدًا لبناء نفوذه. وقد تقرب من الصحفيين، مهنياً وعاطفياً، ولم يرفض قط طلباً من أي مشرع للحصول على المشورة. كما مارس رياضة الغولف مع كبار المديرين التنفيذيين وجماعات الضغط. ورغم خجله في المناسبات الاجتماعي، لدرجة وصف المجلات بأن «حضوره غير لافت»، إلا أنه كان يصر على حضور التجمعات رفيعة المستوى.

وعندما تعمّد النائب جاك كيمب استبعاده من قائمة المدعوين إلى مناسبة جمهورية بارزة، توسل غرينسبان إلى نائب رئيس الاحتياطي الفيدرالي أن يتصل بصديقه كيمب للحصول على دعوة. وكانت الاجتماعات المغلقة هي نقطة قوة جرينسبان الحقيقية. فقد خرج أصحاب النفوذ الذين ترددوا على مكتبه بانطباع أن جرينسبان يمتلك قدرة خارقة على قراءة خبايا الاقتصاد، وعزموا على طلب مشورته عند مواجهة قرارات مصيرية. وكان جرينسبان يشجع هذا الاعتماد عليه بذكاء. وقال أحد منافسيه في إدارة فورد إن كلمة «استثنائي» كانت علامته المميزة، إذ كان يدخل على الرئيس فورد ويصف كل مشكلة بأنها معقدة واستثنائية، فيترك ذلك انطباعاً قوياً لدى الرئيس ويزيد من اعتماده على تقييم جرينسبان.

ولم تقتصر براعة جرينسبان وقدرته الفكرية الآسرة على إرضاء غروره فحسب، بل بفضل شخصيته القوية وذكائه، أسس النسخة الحديثة من استقلالية الاحتياطي الفيدرالي. وكان سلفه القوي بول فولكر قد تعرض لضغوط من إدارة ريجان، وكان يُفترض عموماً أن جرينسبان، «الجمهوري» المخلص، سينفذ أوامر السياسيين الذين يدين لهم بتعيينه. وعندما أظهر جرينسبان حزمه، مُصراً على أسعار فائدة مرتفعة لكبح التضخم رغم التكلفة السياسية التي تكبدها الرئيس جورج بوش الأب، سعت الإدارة إلى معاقبته.

وقد استخدم علاقاته في الكونجرس لعرقلة خطة الإدارة للإصلاح المالي، وتعرض برادي ودارمان لتغطية إعلامية سلبية في صحف كبرى. وفي عهد فورد، عندما تساءل هنري كيسنجر ذات مرة عن مصدر مقال سلبي في صحيفة نيويورك تايمز، أوضح له زميله أن جرينسبان هو من سربه. ولم تُكلل المحاولات اللاحقة لترهيب غرينسبان بنجاح، فعندما عين الرئيس بيل كلينتون آلان بليندر، الخبير الاقتصادي الديمقراطي البارز، نائباً لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، همشه جرينسبان بلا رحمة حتى استقال بليندر.

وعندما حاول كلينتون استبدال بليندر بمصرفي قد يقف في وجه الرئيس، أعلن أصدقاء غرينسبان في مجلس الشيوخ عزمهم على عرقلة مرشح الرئيس. وهكذا، بحلول وقت تلك التأملات حول «زيبسويتش»، كان جرينسبان قد سيطر على زمام الأمور، وحتى الرئيس لم يستطع تحديه. لقد نال مجلس الاحتياطي الفيدرالي استقلالية في السياسة النقدية، رغم عدم وجود قانون يمنحه ذلك رسمياً. وكان ذلك درساً في كيفية عمل واشنطن وكيفية نمو المؤسسات. ولم يضمن جرينسبان استقلالية الاحتياطي الفيدرالي بتجاهل السياسة أو الانعزال عن الواقع، بل كان حكيماً سياسياً فذاً، يُدرك معنى السلطة ولا يخشى استخدامها.

*زميل بمجلس العلاقات الخارجية الأميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لاسينج آند سينديكيشن»
 



إقرأ المزيد