بريطانيا في اختبار حالة عدم الاستقرار السياسي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

شهدت بريطانيا خلال السنوات العشر الماضية تقلبات متسارعة في قيادة الحكومة، بعد عقود من الاستقرار السياسي الذي ميّز إحدى أعرق الديمقراطيات الغربية. ولكن، منذ الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، تبدو البلاد وكأنها دخلت دوامة من الأزمات المحلية والإقليمية والدولية، حتى أصبح رحيل رؤساء الحكومات مع كل أزمة كبرى مشهداً متكرراً، ليأتي من يخلفهم وهو يواجه الضغوط ذاتها بعد وقت قصير.
وجاءت استقالة رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، تحت ضغط متزايد من داخل حزب العمال، لتُجسّد هذا المشهد، إذ أصبح سادس رئيس للحكومة يغادر منصبه خلال عِقد واحد، ممهّداً الطريق أمام زميله في الحزب آندي بيرنهام، العمدة السابق لمنطقة مانشستر الكبرى، الذي يُعدّ الأوفر حظّاً لخلافته.
ومنذ سنوات، قاد ستارمر حزب «العمال» إلى فوز ساحق في انتخابات 2024، لكن اتساع الفجوة بين الوعود الانتخابية وما تحقق على أرض الواقع، أسهم في تآكل رصيده السياسي، حيث وجد نفسه عاجزاً عن إقناع الناخبين بأن حكومته قادرة على إحداث التغيير المنشود، في ظل اضطرابات اقتصادية، وضغوط دولية، واستمرار حالة عدم اليقين التي تعيشها البلاد. وغالباً ما يصل القادة إلى السلطة مستفيدين من غضب الناخبين، واعدين بإعادة الازدهار، لكنّ الواقع يكشف صعوبة الوفاء بهذه الوعود عندما يصطدمون بتعقيدات الحكم.
لقد تغيّرت بريطانيا سياسياً منذ «بريكست»، مع العجز عن صياغة رؤية استراتيجية متماسكة، وضعف النمو الاقتصادي، وارتفاع حجم الدين العام، واستمرار الضغوط على الرعاية الصحية والخدمات العامة. وفي المقابل، يواصل اليمين الشعبوي توسيع قاعدته الشعبية على حساب الحزبين التقليديين، «المحافظين» و«العمال»، مستفيداً من تراجع الثقة بقدرة النخب السياسية على معالجة الأزمات.
وقد يمنح انتخاب قائد جديد لحزب «العمال» فرصة لإعادة ترتيب صفوفه واستعادة ثقة الناخبين، إذا أدركت القيادة الجديدة خطورة المسار الحالي، ووحّدت الحزب، وقدّمت برنامجاً اقتصاديّاً أكثر إقناعاً، واستعادت أصوات الطبقة العاملة. أما إذا استمرت الإخفاقات، فقد تتعمق أزمة الحزب، وتتّسع حالة العزوف عن الأحزاب التقليدية، بما يفتح المجال أمام القوى الشعبوية لمزيد من التقدّم.
وعلى المستوى الخارجي، لا يُتوقّع حدوث تغيير جذري في توجُّهات السياسة البريطانية، لكن التحدّي سيظل في إدارة الملفات الدولية المعقّدة، ولاسيّما العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة، في ظل بيئة دولية تتسم بتزايد التوترات الجيوسياسية.
وتكشف استقالة ستارمر عن مرحلة جديدة من عدم اليقين السياسي، لكنها في الوقت نفسه امتداد لحالة عدم الاستقرار التي طبَعت العقد الأخير. وتواجه الحكومة المقبلة ملفات ثقيلة، في مقدّمتها ارتفاع تكاليف المعيشة وتحسين الخدمات العامة ورفع معدلات النمو الاقتصادي، إلى جانب احتواء الغضب داخل حزب «العمال»، الذي انعكس في نتائج الانتخابات المحلية بخسارة الحزب، رغم أغلبيته البرلمانية الكبيرة، مقاعد بارزة لصالح حزب ريفورم يو كيه «إصلاح المملكة المتحدة» بزعامة نايجل فاراج، إضافةً إلى تقدّم حزب «الخضر».
ويُعيد التغيير المتكرّر في المناصب القيادية العليا تشكيل المشهد السياسي البريطاني بعد بريكست، إذ تبدو الانقسامات داخل المجتمع والأحزاب، إلى جانب الضغوط الاقتصادية، عوامل رئيسية في استمرار الأزمة. وإذا كان تعاقب الحكومات خلال فترات قصيرة ليس أمراً غير مسبوق في التاريخ البريطاني، فإن وتيرته خلال العقد الأخير تثير القلق، خصوصاً إذا ما قورنت بالفترة الممتدة بين عامَي 1979 و2016، حين قاد البلاد خمسة رؤساء وزراء فقط خلال 37 عاماً. وربّما لا يرتبط هذا المشهد بالظروف الاقتصادية وحدها، بل بغياب القيادة السياسية القادرة على إدارة أزمات متشابكة داخليّاً وخارجيّاً أيضاً.
ولا شكّ أن الاقتصاد وحده لا يفسِّر ما تشهده بريطانيا، وإن ظل محرِّكاً رئيسيّاً للأزمة. فالحكومات المتعاقبة بدت عاجزة عن تحويل أغلبيّاتها البرلمانية إلى إنجازات ملموسة، بما يشير إلى أزمة بنيوية تتجاوز تغيير الأشخاص. وقد يفرز التغيير قيادة أكثر قدرة على إدارة المرحلة، لكن بريطانيا تحتاج إلى ما هو أبعد من استبدال رؤساء الحكومات، تحتاج إلى إصلاح مؤسّساتها التنفيذية، وربّما تطوير بيروقراطيتها أيضاً، واستعادة معدلات نمو أعلى، ومراجعة السياسات التي أضعفت قدرتها الاقتصادية، ومعالجة أزمات الخدمات العامة، ضمن مشروع إصلاح سياسي واقتصادي أشمل. 

*باحث - مركز تريندز للبحوث والاستشارات. 



إقرأ المزيد