ما بعد جولة روبيو الخليجية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

استهل وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو جولته الخليجية من أبوظبي، ثم انتقل إلى الكويت، واختتمها في المنامة باجتماع وزاري مع دول مجلس التعاون. تجاوزت الجولة شرح مذكرة التفاهم مع إيران إلى بحث القضايا التي تركتها مفتوحة وتمسُّ أمن منطقة الخليج مباشرة. وجاء بيان المنامة ليضع هذه القضايا ضمن موقف خليجي أميركي معلن.
وقد رحّب البيان بوقف الحرب واستمرار المسار السياسي، لكنه وسّع نطاق التعامل مع إيران ليشمل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة ودعمها للجماعات المسلحة في المنطقة، إلى جانب البرنامج النووي. كما ربط البيانُ التجارةَ والاستثمارَ بالتزام واضح من طهران بوقف سلوكها المزعزع للاستقرار. وهذه صياغة تمنع فصل الانفتاح الاقتصادي عن المسؤولية الأمنية، وتؤكد أن المكاسب تترتب على التنفيذ.
وقد أخذت جولة وزير الخارجية الأميركية معناها الأوسع في المنامة. وناقشت اللقاءات الثنائية في كلٍّ من أبوظبي والكويت أولويات كل دولة، ثم صاغها الاجتماع الوزاري في موقف مشترك. ويضيّق هذا الانتقال مساحة المناورة التي اعتادت طهران استخدامها عبر التعامل المنفرد مع العواصم الخليجية، كما يعزّز ثقلَ مجلس التعاون في أي ترتيبات تمسُّ أمنه واستقراره.وتَقدم ملفُّ مضيق هرمز على بقية الملفات خلال الجولة. والخلاف حوله يشمل محاولات فرض الرسوم، ويمتد إلى سعي إيران لفرض دور خاص في إدارة حركة العبور من خلاله. وقد تتراجع طهران عن المطالبة بتحصيل الأموال، وتحتفظ في المقابل بحق طلب بيانات السفن وفرض تعليمات عليها. لذلك رفض بيان المنامة الرسومَ وأيَّ سلطة أحادية على المضيق، حفاظاً على وضعه ممراً دولياً تحكمه قواعد القانون الدولي حول البحار والمضايق البحرية.
وتنظر دولة الإمارات إلى أمن مضيق هرمز باعتباره جزءاً من أمنها الاقتصادي والملاحي، وكجزء من مشروع متكامل يقوم على الموانئ والتجارة والطاقة والاستثمار وسلاسل الإمداد. ولهذا يَجمع موقفُها بين دعم الحوار ورفض تحويل الملاحة إلى أداة ضغط. فالمناخ العام الذي تحتاج إليها المنطقة للتنمية يجب أن يقوم على قواعد مستقرّة، بعيداً عن قرار عسكري أو سياسي يصدر من جهة واحدة.
 وسرعان ما كشفت الهجماتُ الإيرانية اللاحقة على كلٍّ من البحرين والكويت المسافةَ بين التفاهم السياسي والسلوك الميداني. كما أعادت طرحَ السؤال عن الجهة التي تملك قرارَ التنفيذ في طهران، في ظل تعدُّد مراكز النفوذ بين الحكومة والحرس الثوري والمؤسسات المرتبطة بالقيادة العليا. والحقيقة أن أي اتفاق مع إيران يفقد قيمتَه عندما تختلف الجهات الإيرانية في تفسيره أو تملك كل واحدة منها حقَّ تعطيله.
 ويبقى الحوارُ الخليجي الإيراني ضرورياً بحكم الجغرافيا والمصالح، لكن وصفه بالمصالحة ما زال مبكراً. فالأولوية لوقف الاعتداءات وتأمين الملاحة واحترام السيادة، ثم بناء قنوات اتصال تَحِدُّ من سوء التقدير. وعندها يمكن الحديث عن علاقة أكثر استقراراً تستند إلى تغيُّر يمكن قياسه من خلال السلوك الإيراني نفسه.
وتكتسب مباحثاتُ المسار الفني في الدوحة أهميتَها من قدرتها على نقل التفاهمات السياسية إلى إجراءات عملية. والمطلوب تحديد قواعد العبور في هرمز، وآليات رصد الخروقات وتبعاتها، وضمان حضور المصالح الخليجية في أي تفاهم يتعلق بأمن المنطقة. فالتطمينات السياسية مهمة، لكن قيمتها تتوقف على أدوات يمكن متابعتها ومحاسبة من يخلُّ بها.
وستتحدد قيمةُ جولة روبيو بما سيترتب على بيان المنامة، فإذا تحولت مخرجاته إلى موقف مستمر يربط التهدئة بتغير حقيقي في السلوك الإيراني، فسيصبح الخليج شريكاً في صياغة الترتيبات المقبلة. أما إذا بقي البيان من دون متابعة، فستعود المنطقة إلى نموذج يشبه اتفاق عام 2015، حيث تُبرم تفاهمات مع طهران من دون مشاركة خليجية فاعلة، فيما تتحمل دول الخليج التداعيات الأمنية والاقتصادية عند إخفاق الاتفاق، وهو ما لن تقبله هذه الدول. 
 


*كاتب إماراتي



إقرأ المزيد