جريدة الإتحاد - 7/1/2026 11:14:12 PM - GMT (+4 )
تقفُ الأمم أمام لحظات صعودها وقوفَ المسافر عند مفترق الطرق، يحدوها سؤال واحد يسبق كلَّ خطوة: إلى أينَ المسير؟ ومن رحمِ هذا السؤالِ المؤرّقِ وُلدت كلُّ نهضة كبرى عرفها التاريخ، إذ سبقَ وعيُ الوجهةِ مسيرةَ السائرين، وتقدّمت فكرةُ المعنى على حركةِ العمران. وحين يتأمّلُ المرءُ مصائرَ الحضاراتِ في صعودها وأفولها، يتكشّفُ له أنّ العمارةَ الشامخةَ تُرسمُ تصميماً في العقلِ قبلَ أن تستوي حجراً على الأرض، وأنّ خلفَ كلِّ بنيانٍ راسخٍ فكرةً صبَّت فيه روحَها.
وتشهدُ سجلّات الأمم أنّ كلَّ يقظةٍ حضاريةٍ سبقتها يقظةٌ في التفكير، وأنّ ربيعَ العمرانِ ظلَّ على الدوامِ ثمرةَ ربيعٍ سابقٍ في العقول. فالنهضة الأوروبية استندت إلى استعادةِ الفلسفة وإحياءِ العقلِ النقديّ بعدَ قرونٍ من السُّبات، وحضارتُنا في عصرها الذهبيّ بلغت أوجَها يومَ احتضنت الحكمةَ وأكرمت حامليها، من الكِندي الذي فتحَ البابَ واسعاً أمامَ الفلسفة، إلى ابن رشد الذي بلغَ بالعقلِ ذروتَه شرحاً وتأصيلاً. تلكَ شهادةٌ يرويها التاريخ مرّةً إثرَ مرّة، مفادُها أنّ العقلَ يتقدّم الحجرَ، وأنّ المعنى يسبقُ المبنى في كلّ نهوضٍ أصيل.
وتنهضُ الفلسفة في هذا المقام بدور البوصلة التي تمنحُ المسيرَ وجهتَه، وتُضيءُ للسائرِ دربَه قبلَ أن يخطو. فهي التي تسأل عن غاية النهوض قبلَ وسائله، وتُحدّدُ معنى الإنسانِ الذي تُشيَّدُ الحضارةُ من أجله، وترسمُ صورةَ الخير الذي ينشده المجتمع في مسيره. ومتى غابت هذه البوصلة الهادية، مضى العمرانُ سائراً دونَ وجهةٍ تجمعه، وتحوّلَ التقدّمُ إلى حركة محمومة تدورُ حولَ ذاتها. على هذا النحو تغدو الفلسفة نظريةَ النهضةِ التي تسبقُ تطبيقَها، والعقلَ المدبّرَ الذي يوجّهُ الساعدَ العاملَ نحوَ غايةٍ تستحقُّ العناء.
وتكشفُ التجربة المعاصرة عن وهمٍ يستهوي الأممَ المتعجّلة، قوامُه أنّ النهضةَ تُشترى بالأدوات وتُستوردُ جاهزةً معَ التقنيات. غيرَ أنّ من يجلبُ التقنيةَ ويُهمل الفكر الذي أنتجها يظفرُ بقشورِ الحضارةِ ويفوتُه لبابُها، فيقيمُ بنياناً فخماً يخلو من الروحِ التي تسكنُه وتمنحُه الحياة. الحضارةُ المستعارةُ تظلُّ هشّةً عندَ أوّلِ اختبار، إذ نبتت في غيرِ تربتها، وقامت على عقلٍ سوى عقلِها. والفارقُ العميقُ بين أمّةٍ تستهلكُ المعرفةَ وأمّةٍ تنتجها يكمنُ في القدرة على توليدِ المعنى من الداخلِ بدلاً من اقتباسِه من الخارج.
تتجاوز النهضة الأصيلة في جوهرها لغةَ الأرقام ومنطق المؤشّرات، لتبلغَ غايتَها في الإنسانِ ذاتِه. فالتنمية في أعمق معانيها توسيعٌ لأفهام الناسِ وقدراتهم الفكرية والإبداعية، كما أصّلَ «أمارتيا صن» حينَ جعلَ إبداعَ الفكر غايةَ التنميةِ ووسيلتَها في آنٍ واحد. ومن هذا المنظورِ يصيرُ مقياسُ النهوضِ الصادقِ سعةَ الأفقِ الذي يتنفّسُ فيه الإنسان، ومساحةَ القيم التي يحياها، وقدرتَه على أن يكونَ فاعلاً في صناعةِ المعرفة. فالنهضةُ التي تُثقلُ الجيوب وتُفرغ العقولَ تخدعُ أصحابَها ببريقٍ زائف، أمّا النهضةُ التي تُحرّرُ العقولَ وتُغني الروحَ فتبني إنساناً كاملاً وتُشيّدُ وطناً راسخاً.
وتتّصل هذه الرؤية اتّصالاً وثيقاً بمشروع إحياء الفلسفة العربيّة والإسلاميّة، فالمجتمعات التي تستعيدُ أسئلتَها تستعيدُ معها إرادتَها في النهوض والتنمية. فتجديدُ النهضةِ يبدأُ من تجديدِ الأسئلةِ التي نطرحها على أنفسنا وعلى عصرنا، ومن جرأة العقل على مساءلة المسلّمات وإعادةِ تأسيس المعنى. ومتى استردَّ الفكر العربي ثقتَه بذاتِه، وكفَّ عن استهلاك فلسفات غيره استهلاكاً صامتاً، تهيّأت لهُ أسبابُ الإنتاجِ والإبداع، وعادَ شريكاً في صياغةِ وجدانِ العصرِ ومعناه.
ويتّضحُ من هذا كلِّه أنّ النهوض مشروعٌ يولَد في الوعيِ قبلَ أن يتجسّدَ في الأرض، وأنّ الفلسفةَ روحُه السارية ونبضُه الخفيّ. ومتى تهيّأت للعقلِ أسبابُ السؤالِ والإبداع، آذنت تربتُه بربيعٍ حضاري طالَ انتظارُه. وتبقى بعدَ ذلك مسألةٌ جوهريّة تفرضُ نفسَها فرضاً: أينَ يُصاغ هذا الفكر وتُغرس بذورُه الأولى؟ ثمّةَ مكانٌ بعينِه يولدُ فيه الوعي ويُصقَل، وتُختبَرُ فيه الأفكار وتنضجُ على نارٍ هادئة، وإليه يقودُنا الحديثُ القادم.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


