جريدة الإتحاد - 7/1/2026 11:28:17 PM - GMT (+4 )
جمعت قمة مجموعة السبع الأخيرة قادة سبع من أقوى دول العالم، إضافة إلى مسؤولين تنفيذيين من شركات «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«ديب مايند»، الذين حظوا بمعاملة مشابهة لقادة الدول. وقد يبدو للوهلة الأولى أن شركات الذكاء الاصطناعي تتنافس فقط على المنتجات وحصص السوق، لكنها في الواقع تخوض معركة أكبر بكثير، تتمثل في صراع على النفوذ على أعلى المستويات. ولا تخفي شركاتُ الذكاء الاصطناعي طموحاتِها الهائلة، بل تؤكد جميع المختبرات الرائدة أنها تعمل على تطوير ذكاء اصطناعي عام.
وحتى لو لم تعتقد أنها ستنجح، فإن استعدادها لإنفاق مئات مليارات الدولارات في المحاولة له دلالة واضحة. ويحذر قادةُ هذا القطاع من مخاطر الذكاء الاصطناعي المتعطش للنفوذ، والذي يسعى للسيطرة على العالم، كما تشير أفعالهم إلى إدراكهم العميق لهذا الدافع. ورغم عدم وجود شركة تحتكر الذكاء الاصطناعي حتى الآن، فإن ذلك لا يبعث على الاطمئنان بالضرورة، إذ إن تقييمات تلك الشركات لا معنى لها إلا إذا احتكرت إحداها السوق، وقد تصبح الشركة التي تحتكر الذكاء الاصطناعي الأقوى في التاريخ.
أما إذا لم تحتكر أي منها السوق، فهذا يعني أنها ستتنافس على النفوذ فيما بينها، ومع الدول أيضاً. وهو ما قد يزيد من حدة المنافسة ولا يخففها. وقد حذّر ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت، من أنه «لا يوجد قبول مجتمعي» لمستقبل تتركز فيه أرباح الذكاء الاصطناعي في أيدي عدد محدود من الشركات. وكان ناديلا يعني الخطر الاقتصادي، أما الخطر الأعمق، فلا يكمن فيمن يستحوذ على الأرباح، بل فيمن يستحوذ على السلطة.
وقبل هذا شهد التاريخُ شركاتٍ تمتلك نفوذَ وسلطةَ دولٍ كاملة، حيث تأسّست شركة الهند الشرقية البريطانية عام 1600، وأصبحت شركة خاصة حكمت إمبراطورية كاملة. وسكّت عملة خاصة بها وفرضت الضرائب وأدارت المحاكم، كما جندت جيشاً قوامه نحو 260 ألف جندي، أي ضعف حجم الجيش البريطاني آنذاك، وكان العسكريون يقسمون يمين الولاء للشركة لا للتاج البريطاني. وأصبحت بذلك أول «دولة شركة»، أي شركة تتمتع بالسيادة ولا تخضع إلا لمساهميها. وعلى مدى أكثر من قرن، حكمت أجزاءَ واسعةً من الهند ونهبت مواردَها.
وبعد فوزها عام 1765 بحق جباية الضرائب في إقليم البنغال، رفعت الضرائبَ خلال مجاعة عامي 1769 و1770، والتي أودت بحياة ما لا يقل عن مليون شخص، وربما وصل عدد الضحايا إلى عشرة ملايين. ولا تمتلك أي شركة ذكاء اصطناعي ربع مليون جندي، وبالنظر إلى هيمنة الطائرات المسيرة على ساحة المعركة في أوكرانيا، فقد لا تحتاج إليهم. غير أن شركة «أوبن إية آي» عقدت شراكةً مع شركة الصناعات الدفاعية «أندوريل إندستريز» لمواجهة المسيرات المعادية، ووقعت عقداً مع وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بقيمة تصل 200 مليون دولار العام الماضي. وتشهد شركة «أنثروبيك» والبنتاغون نزاعاً بسبب رفض الشركة السماح لنماذجها بتشغيل أسلحة ذاتية التشغيل بالكامل، حتى مع استخدام أنظمتها في القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
ولم تتردد شركات الذكاء الاصطناعي أيضاً في تحويل قوتها الاقتصادية إلى نفوذ سياسي. فقد كانت الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في الدائرة الـ12 بولاية نيويورك، بمثابة «حرب بالوكالة» بين عمالقة الذكاء الاصطناعي، إذ دعمت شركات أو مسؤولون تنفيذيون في شركات مثل «أوبن إيه آي» و«بالانتير» و«أنثروبيك» مرشحين مختلفين. وفي النهاية، أنفق مليارديرات الذكاء الاصطناعي أكثر من 29 مليون دولار على تلك الانتخابات. وكانت شركة الهند الشرقية لتقدر هذا النفوذ، ففي سبعينيات القرن الـ18 كان ما يقرب من ربع أعضاء مجلس العموم يمتلكون أسهمها أو يتقاضون رواتبهم منها. وقد انتهى نفوذها في نهاية المطاف، فبعد الثورة الهندية عام 1857، أممت بريطانيا الشركة واستولت على أراضيها وجيشها. لكنها كانت قد حكمت جزءاً كبيراً من الهند لمدة قرن من الزمان. وكانت انتخابات نيويورك التمهيدية بمثابة اندلاع صراع قوى الذكاء الاصطناعي علناً.
ولكن ظاهرياً، انتهت المنافسة بما يشبه التعادل لصالح قطاع الذكاء الاصطناعي، وكان الفائز الذي حظي أيضاً بتأييد العمدة السابق مايكل بلومبيرغ، مؤسس ومالك شركة «بلومبيرغ إل بي»، هو أحد الرعاة المشاركين في المجلس التشريعي للولاية لمشروع قانون سلامة الذكاء الاصطناعي الذي عارضه القطاع. وفي المقابل، أصبح كل سياسي أميركي يدرك أن الصناعة على استعداد لإنفاق الملايين ضد أي مرشح لا يروق لها.
وليس من الضروري الفوز في كل معركة لممارسة النفوذ، فالخوف قد يؤدي دوره. وهذا يقودنا إلى السمة الأخيرة التي تميّز النفوذ عن الثروة، حيث نعود إلى طاولة قمة مجموعة السبع في فرنسا. فالنفوذ والسلطة لعبة محصلتها صفر، أي لابد من وجود خاسر طالما يوجد رابح، إذ يمكن للجميع أن يصبحوا أكثر ثراءً، لكن ليس بإمكان الجميع أن يصبحوا أكثر نفوذاً.
ويمثل عمالقة الذكاء الاصطناعي أنفسهم ومستثمريهم، وإذا امتلكوا القدرة على الجلوس على قدم المساواة في اجتماع مجموعة السبع، فإن ذلك يعني تراجع نفوذ من يمثلون بقية العالم. وفي الوقت الراهن، يجلس الرؤساء التنفيذيون لشركات الذكاء الاصطناعي على طاولة المفاوضات بدعوة من قادة العالم الذين يرونهم ذوي أهمية بالغة لا يمكن تجاهلها. لكن تلك الدعوة قد تنقلب عليهم، فإذا لم يكن هذا هو المستقبل الذي نريده، فقد حان الوقت للحد من نفوذ هذه الصناعة، إذ إن سعي الذكاء القائم على الكربون، أي الذكاء البشري، إلى النفوذ قد يكون خطيراً تماماً مثل سعي نسله القائم على السيليكون.
*كاتب متخصص في الإدارة والابتكار وأستاذ القيادة بكلية «يل» للإدارة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


