جريدة الإتحاد - 7/1/2026 11:35:10 PM - GMT (+4 )
يعتزم الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي الأميركي، كيفن وورش، تشكيل ما لا يقل عن خمس فرق عمل لمراجعة أساليب عمل البنك المركزي وعملياته. وستبحث هذه الفرق سبل تحسين تواصل البنك مع الجمهور، وسياسة إدارة الميزانية العمومية، واستخدام البيانات، وفهمه لـ«الإنتاجية والوظائف في عصر التحول»، إضافة إلى كيفية تحقيق استقرار الأسعار.
ورغم أنها طموحات جديرة بالتقدير، إلا أن تقسيمها إلى هذا العدد من المحاور لا يبدو مجدياً، لأن كل شيء ينتهي إلى نقطة محورية وهي استقرار الأسعار، الذي يُفترض أن يكون الهدف الأساسي للاحتياطي الفيدرالي. أما بقية القضايا فهي فرعية ومتداخلة ولا يمكن التعامل معها بمعزل عن بعضها. وسيكون من المؤسف أن تضيع أفضل وأبسط إصلاحات وورش وسط هذا العدد من فرق العمل. ويتمثل هذا الإصلاح، الذي طال انتظاره، في الاعتماد بدرجة أكبر على القواعد لتوجيه السياسة النقدية، وهي فكرة سبق أن أبدى وورش تحفظه عليها، من دون أن يوضح أسباب ذلك.
وتحدد القاعدة النقدية كيفية تغيير السياسة بناء على البيانات الجديدة. وتُعد قاعدة تايلور النموذج الأمثل، إذ تربط سعر الفائدة بثلاثة عناصر، وهي سعر الفائدة المحايد، الذي يحافظ على استقرار الأسعار ومستوى التوظيف الكامل على المدى الطويل، وانحرافات التضخم عن هدف الاحتياطي الفيدرالي، وانحرافات البطالة عن مستوى التوظيف الكامل. فإذا تجاوز التضخم الهدف المحدد وكان الاقتصاد في حالة توظيف كامل، فإن الاستجابة ستكون رفع سعر الفائدة.
لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فهناك صيغ متعددة لقاعدة تايلور تختلف بحسب تعريف المتغيرات وطرق قياسها، وكيفية ترجيح كل منها في المعادلة، وسرعة الاستجابة المطلوبة في السياسة النقدية، وغيرها. ويثير ذلك تساؤلاً هاماً: إذا لم تكن هناك صيغة واحدة صحيحة بشكل قاطع، فما جدوى القاعدة؟ كذلك فإن البنوك المركزية مضطرة إلى النظر في كم هائل من المعلومات الأخرى، التي غالباً ما تكون متضاربة، عند تقييم سياستها النقدية.
وقد يتغير سعر الفائدة المحايد لسبب ما، فهل تتأثر الأسعار بعوامل مؤقتة مثلاً؟ وهل طرأ خلل ما في سوق العمل يؤثر على تقدير الحد الأقصى للتوظيف؟ تعتبر تلك الأسباب وجيهة لعدم استخدام أي نوع من قواعد تايلور لفرض السياسة النقدية. لكن ليس هذا هو الاستخدام الأمثل لهذه القواعد. فالهدف هو استخدامها لتنظيم قرارات الاحتياطي الفيدرالي ومساعدته على شرح إجراءاته للجمهور.
وتوفر تلك القواعد افتراضاً، ضعيفاً أو قوياً، حول تغييرات سعر الفائدة، بما يستدعي تقديم تفسير إذا قرر الاحتياطي الفيدرالي اتخاذ إجراء آخر. وتُوجه حسابات قاعدة تايلور الاحتياطي الفيدرالي بالفعل إلى حد ما، إذ يقول أحد التفسيرات، إن أفضل استخدام لها هو شرح سبب تصرفات الاحتياطي الفيدرالي، وليس ما ينبغي عليه فعله في المستقبل.
إلا أن صناع السياسة النقدية في الاحتياطي الفيدرالي يدركون ما تنص عليه قواعد تايلور، حتى وإن كانوا يفضلون عدم الخوض فيها. وقد أشارت لوريتا ميستر، الرئيسة السابقة لبنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، إلى أن تقرير السياسة النقدية نصف السنوي الذي يقدمه الاحتياطي الفيدرالي إلى الكونغرس يناقش توصيات قاعدة تايلور المستمدة من عدة صيغ. ورغم أنها لا تُعرض بشكل مباشر لكنها موجودة. وأضافت أنه لن يكون من الصعب البدء في استخدام تلك التوصيات كنقطة مرجعية في التواصل بشأن السياسة النقدية. ورغم أنها ستكون خطوة صغيرة فإنها تمثل تحسناً كبيراً. لكن الأفضل هو جعل توقعات الناتج المحلي الإجمالي الاسمي محور السياسة النقدية. ولا تؤثر أدوات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي، بما يشمل عمليات الميزانية العمومية وسعر الفائدة، بشكل مباشر على التضخم أو البطالة، بل إنها تُحرك الطلب أولا، والذي يُقاس بالناتج المحلي الإجمالي الاسمي. فإذا توقع الاحتياطي الفيدرالي نمو الاقتصاد بنسبة 2% سنوياً على المدى البعيد، وكان يستهدف تضخماً عند 2%، فينبغي أن يكون معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي 4% سنوياً. وإذا توقع الاحتياطي الفيدرالي نمو الطلب بوتيرة أسرع، فينبغي أن يفترض ضرورة تشديد السياسة النقدية، وإذا اختار عدم اتخاذ إجراء، فعليه توضيح سبب ذلك. وهذا النهج يُشبه نهج تايلور في جوهره، ولكنه أوضح وأسهل، وأكثر توقعاً للمستقبل، إذ أن السياسة النقدية أداة غير دقيقة لا يمكنها التأثير بشكل منفصل على الأسعار والوظائف.وفي مقال حديث، حذر بيل دادلي، وهو كاتب في «بلومبيرغ أوبينيون»، من أن اعتماد الاحتياطي الفدرالي بقيادة وورش على اتخاذ القرارات من اجتماع إلى آخر، مع الغموض في شرحها، سيزيد تقلبات الأسواق المالية ويقوض مصداقية البنك وفاعليته.
ورأى أن الاحتياطي الفيدرالي بحاجة إلى توضيح أكبر للمستثمرين بشأن آلية استجابته للتطورات الاقتصادية. ويوافق الكاتب على هذا الرأي، لكنه يرى أن على البنك أولاً أن يختار تلك الآلية. وهذا تحديداً ما يمكن أن توفره قواعد تايلور، أو الأفضل منها قاعدة تستند إلى الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، وهي توصية يوجهها الكاتب إلى فرق العمل الخمس جميعها.
وأفاد مقال نُشر مؤخراً بأنه إذا اعتمد بنك الاحتياطي الفيدرالي بقيادة وارش مبدأي التقدير والغموض في كل اجتماع على حدة، فسيزيد ذلك من تقلبات الأسواق المالية ويقوض مصداقيته وبالتالي فعاليته، كما أنه يتعين على بنك الاحتياطي الفيدرالي أن يُطلع المستثمرين بشكل أكبر على «آلية استجابته»، ولكن قبل إطلاع المستثمرين على المزيد، يحتاج الاحتياطي الفيدرالي إلى اختيار آلية واحدة. وهذا تحديداً ما تُحققه قواعد من نوع تايلور، وتحققه بشكل مثالي أيضاً قاعدة الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، وهو ما يجب على الفرق الخمسة العمل به.
*كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


