جريدة الإتحاد - 7/2/2026 12:20:27 AM - GMT (+4 )
في كرة القدم، ثمّة ليالٍ تُلعب، وثمّة ليالٍ تُروى. وثمّة انتصارات تُحفظ في الأرشيف، وأخرى تُنقش في الوجدان. وما عاشه المغاربة أمام هولندا لم يكن مباراة عابرة في الدور الثاني والثلاثين من كأس العالم، بل كان موعداً جديداً بين وطنٍ يعشق الحلم، وجيلٍ قرّر أن يجعل من المستحيل عادة، ومن الإنجاز خبزه اليومي.
دخل «أسود الأطلس» إلى الميدان، ولم يدخلوا وفي جيوبهم غير الإيمان. لم يسألوا التاريخ كم مرة انتصرت هولندا، ولم ينظروا إلى أسماءٍ صنعت أمجاد الكرة الأوروبية، لأنهم كانوا يحملون اسماً واحداً يكفيهم جميعاً… المغرب.
كانت المباراة تشبه البحر حين يغضب. موجة برتقالية تضغط، وأخرى حمراء تصدُّ، وبين المدِّ والجَزر كانت القلوب المغربية معلّقة بين السماء والعشب. وحين ظن الهولنديون أن الريح قد استقرت في أشرعتهم وقد تقدم لهم ضد مجرى الرياح والظنون، خرج الأسود من رحم المعاناة، وانتزعوا هدف التعادل، كما يُنتزع الضوء من آخر النفق، ليعلنوا أن الرجال الحقيقيين لا يموتون واقفين فقط، بل يعودون أيضاً من المسافات المستحيلة.
ثم جاءت ركلات الترجيح، تلك اللحظة التي لا تعترف بالإحصائيات، ولا تنحني للأسماء، بل تنصت فقط لنبض القلوب. وهناك، وقف ياسين بونو كأنه آخر حرّاس الأسطورة، لا يرى الكرة وحدها، بل يرى خلفها وطناً كاملاً ينتظر ابتسامته. تصدّى، فاهتزت المدرّجات. تصدّى ثانية، فارتجف الحلم الهولندي. وحين لامست الركلة المغربية الأخيرة لصيباري الشِّباك، انفجر الفرح من المحيط إلى الصحراء، ومن جبال الأطلس إلى كل بقعة يسكنها قلب مغربي.
لم يكن المغرب يهزم هولندا فقط، بل كان يهزم تلك الفكرة القديمة التي تقول إن الكبار وحدهم يكتبون التاريخ. فمنذ سنوات، وأسود الأطلس يغيّرون القاعدة، ويخبرون العالم أن أفريقيا لم تَعُد تبحث عن تصفيق الآخرين، بل عن مكانها الطبيعي بين عمالقة اللعبة.
هذا المنتخب لا يلعب الكرة فحسب، بل يكتب بها قصيدة. يركض وفي قدميه إيقاع وطن، ويقاتل وفي صدره نبض شعب، ويؤمن أن القميص الأحمر ليس مجرد لون، بل عهدٌ بين اللاعبين والملايين الذين يرون في كل انتصار قطعةً من كرامتهم، وامتداداً لحكاية وطن لا يعرف الانكسار.
لهذا لم يكن عبور هولندا نهاية حكاية، بل بداية فصل جديد. فصل عنوانه أن المغرب لم يَعُد ذلك الضيف الذي يطرق أبواب المجد خجولاً، بل صار سيّداً يدخلها مرفوع الرأس، ويترك على عتباتها آثار أقدام الأسود.
وفي كل مرة يظن العالم أن الحكاية بلغت نهايتها، يخرج المغرب ليكتب سطراً جديداً، أكثر جمالاً، وأكثر شجاعة، وأكثر إيماناً بأن الأوطان التي تُربي أبناءها على عشق القمة، لا تخاف من قمم العالم… بل تصعد إليها، وبعد الطواحين هناك خطوة أخرى.
إقرأ المزيد


