ذكريات الحنين في الغربة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

أيها العراقي في الغربة هل شممت رائحة الظهيرة في وطنك. هل حنّت عليك ظلالها في الهجير؟ هل حدقت في الظل الأليف متئداً يحنو على ظلك؟ هل حنّت عليك ثمار التوت، وانحنت أغصانها فيئاً على رمضاء تيهك؟ فللظهيرة رائحة الحنين في وحشة الاغتراب. لها مذاق الخبز خارجاً من النار وأصابع الحنو. لها لطف الماء حين الرذاذ. الضوء فضة، والوقت نبع من البهاء. للظهيرة وخز الذكرى إذ تتفتح في بهو النسيان. الظهيرة ليست منتصف النهار وتعامد الشمس في كبد السماء. هي حنان الظل ولحظة انكسار الوهج وتلصص المساء. في تلك اللحظة الرهيفة ينمو الظل حانياً شفيفاً، يكبر كلما مالت أشعة الضياء وخفت وطأة السعير، للجذور نهنهة الظمأ. للغصون أنّة المستجير وتهتف بالندى فتنبعث رائحة الشجر في أرجاء الكون. أيان ساقتك المقادير يا صديقي تظل رائحة الظهيرة تربط بينك وبين بيتك الأم. هناك حيث رشيش الماء على عتبات الدار وتراب المنزل. على أوراق التوت الأخضر. على أطراف ثوب أمك، إذ تنهرك ضاحكة وأنت تبلله لاهيا في طفولتك. وحين تسمع أمك وهي تمر بخشخشة مكنستها المجدولة من سعف النخيل، كي تجعل من البيت أكثر انسجاماً وتجعل من فناء الدار داراً للطمأنينة ولأحلام اليقظة في ظل الظهيرة حين اشتداد الهجير وانسحابه نحو المساء. 
قال لي صديقي العراقي الموغل في الغربة، وكنا نشرب شاي المساء تحت ظلال التوتة الحانية على هجير البيت: بكى صاحبي وهو يحكي حنان الظهيرة في وطنه. ويشم رائحة المساء في طفولة الظل، فيسرع إلى خرطوم الماء ليرش حوش البيت والنباتات، وأغصان التوتة المتهدلة حتى مشارف الأرض. مسح دمعته واستنشق عميقاً: يا لرائحة التراب بعد الرذاذ، اختلاط التربة بالظمأ بالارتواء، ولغط إخوتي وصوت أمي وهي تأمرهم بتنظيف المقاعد المصنوعة من جريد النخل وترتيبها تحت ظل شجرة التوت، حيث اعتدنا تناول شاي العصر، بينما أمي تخبز في تنورها أرغفة المساء. وأشم رائحة الخبز طازجاً من تنور أمي. وتساقطت دمعتان على الطاولة. حيث كنا نجلس ذات مساء في حديقة بيتي تحت ظلال شجرة التوت المكتظة بثمارها الحلوة. بعد وهدة من الصمت. قال لي وفي صوته بحة من رجاء: ذات يوم سأمر عليك وقت الظهيرة كي أرش النباتات وشجرة التوت وأرض الدار بالماء. لعلني أشم رائحة الظهيرة في العراق!



إقرأ المزيد