جريدة الإتحاد - 7/10/2026 11:20:51 PM - GMT (+4 )
في الفترة الأخيرة، استدعى الرئيس السوري أحمد الشرع مديري المصارف الأجنبية الخاصة العاملة في سوريا، إلى اجتماع في قصر المهاجرين بحضور حاكم البنك المركزي محمد صفوت رسلان، وألقى كلمةً عكست تصميمَه على تشجيع القطاع الخاص للعب دور الريادة في إعادة النهوض الاقتصادي، وخاطبهم طالباً منهم أن تساهم مصارفُهم في جهود التنمية وتمويل المشروعات، مؤكداً أن الرهان هو على القطاع الخاص، وأن زمن الاعتماد على القطاع المصرفي الرسمي قد ولَّى. وعكس هذا الاجتماع إرادة السلطة السورية في الانتقال، وبأقصى سرعة ممكنة، إلى اقتصاد «ليبرالي» منفتح على الأسواق العالمية.
وعلى الرغم من رفع الجزء الأكبر من العقوبات الغربية المفروضة على سوريا، عقب التغيير السياسي فيها، لا تزال المصارف السورية تعيش انقطاعاً شبه كامل عن المنظومة المالية الدولية. ولوحظ أن العقبة الكبرى أمام إعادة الاندماج الخارجي تكمن في انكفاء الشبكات المالية العالمية عن السوق المحلية، وتراجع علاقات المراسلة المصرفية التي تعد الركيزة الأساسية للتجارة، والتحويلات، وتمويل الاستيراد.
ويعمل حالياً في سوريا 21 مصرفاً، منها 6 مصارف حكومية مملوكة للدولة، وهي تستحوذ على الحصة السوقية الأكبر، و10 مصارف تقليدية خاصة، تعود ملكيتها إلى استثمار مشترك (سوري، عربي خليجي، وأجنبي)، إضافةً إلى 5 مصارف إسلامية. وتتحضر المنظومة المالية الحكومية لورشة صيانة هيكلة هي الأكبر في تاريخها الحديث، ويقودها قطب استشاري أميركي، بتمويل خليجي مباشر. وفي هذا السياق، أنهت شركة «أوليفر وايمان» العالمية المرحلةَ الأولى من عملية تقييم وتحليل نظام عمليات المصارف الحكومية الستة. وتحظى هذه الخطوة بدعم لافت من وزارة الخزانة الأميركية والبنك الدولي، نتيجة مذكرة تفاهم جرى توقيعها في واشنطن بين وزير المالية السوري محمد يسر برنية، وصندوق قطر للتنمية برفقة الشركة الأميركية، مما يعكس رغبةً دوليةً ذات طابع فني في إعادة تأهيل القنوات المالية السورية، وتمهيد الطريق لدمجها في النظام المالي العالمي.
وتتجه المناقشات نحو زيادة عدد المصارف إلى 31 مصرفاً، والتركيز على زيادة عدد المصارف الخاصة التقليدية، والمصارف الإسلامية أيضاً. أما بالنسبة للمصارف الحكومية الستة، فهناك مسارات ثلاثة متاحةٌ وضعتها الشركة الاستشارية الأميركية، وهي: الخيار الأول يتمثل في تحويل هذه المصارف إلى شركات مساهمة، تبقى ملكيتها للدولة، ولكن بفكر إداري جديد وتعيينات تقوم على الكفاءة.. والهدف إخراج هذه المصارف من قواعد الوظيفة العامة والبيروقراطية لتصبح قراراتُها الائتمانيةُ مبنيةً على الجدوى الاقتصادية، حيث إن بقاء ملكيتها لدى الدولة قد يعرِّضها للمخاطر السياسية.
أما الخيار الثاني فهو الخصخصة، أي بيع المصارف لمستثمرين خاصين أو مصارف خارجية، وهو توجه «راديكالي» يسرّع الإصلاح، لكنه يطرح مشكلةَ انخفاض القيمة السوقية لهذه المصارف، مما يجعل البيع أشبه ببيع أصل استراتيجي بسعر بخس، في وقت يحتاج فيه الاقتصادُ السوري لنحو 215 مليار دولار لإعادة الإعمار.
وأخيراً يتمثل الخيارُ الثالثُ في الشراكة الاستراتيجية مع مصارف خليجية أو أجنبية عبر بيع حصة لا تتجاوز 49 في المئة والاحتفاظ بحصة الأغلبية، وهو الأقرب إلى التنفيذ.
وتبقى الإشارة هنا إلى أن معظم المصارف الحكومية السورية تواجه مشكلةَ «الديون المتعثرة»، وإلى أن أصول القطاع المصرفي السوري بأكمله لا تتجاوز 5 مليارات دولار، فيما يقلُّ رأس المال الإجمالي للنظام المصرفي السوري كله عن 800 مليون دولار، في حين أن 40 في المئة من فروع المصارف باتت خارج الخدمة.
*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية
إقرأ المزيد


