جريدة الإتحاد - 7/10/2026 11:47:47 PM - GMT (+4 )
لم يعُد فصل الصيف الحالي مجرد موسم لدرجات حرارة مزعجة، بل أصبح رمزاً متزايداً للتغيرات الاقتصادية والسياسية العميقة التي تواجه الديمقراطيات الغربية. ففي أنحاء أوروبا والولايات المتحدة، رافقت موجات الحر القياسية عواصفٌ مدمرة وفيضانات وأعاصير وحرائق غابات. بينما لا يزال موسم الأعاصير في الولايات المتحدة في بدايته. لم تُبرز تلك الأحداث تزايدَ هشاشة المجتمعات الحديثة أمام الظواهر الجوية المتطرفة فحسب، بل أظهرت أيضاً التكاليف المالية الباهظة للتكيف معها.
وتواجه أوروبا، حيث لم تُصمم العديد من المنازل لتحتاج إلى تكييف الهواء، نقاشاً حاداً حول قدرة الحكومات وأصحاب المنازل على تحمل الاستثمار الهائل اللازم لتحديث ملايين المساكن. وبات التبريد ضرورةً صحية عامة لا رفاهية، لا سيما بالنسبة لكبار السن.
وقد عالجت الولايات المتحدة تلك المشكلة إلى حد كبير من خلال انتشار أجهزة التكييف، ولكن على حساب استهلاك هائل للكهرباء. وتتزايد مخاوف شركات الكهرباء بشأن استمرارها في تقديم خدمة موثوقة خلال موجات الحر الطويلة. وفي الوقت نفسه، يدفع الذكاءُ الاصطناعي والحوسبةُ السحابية ومراكزُ البيانات الضخمة الطلبَ على الكهرباء إلى مستويات غير مسبوقة. والنتيجة هي ارتفاع أسعار الطاقة، ثم تجدد التساؤلات حول قدرة البنية التحتية الحالية على مواكبة الارتفاع.وهكذا أصبحت القدرة على تحمل التكاليف إحدى القضايا السياسية الرئيسية على جانبي المحيط الأطلسي. إذ تواجه الأسرُ ارتفاعاً في فواتير الخدمات العامة، وأقساط التأمين، وتكاليف السكن، والضرائب.. وتتحمل الحكوماتُ في هذه الدول جانباً من اللوم، حتى عندما تكون الأسبابُ الجذريةُ عالميةٌ وطويلة الأمد.
وتزيد شيخوخة السكان من حدة الضغوط، إذ يستمر ارتفاع نفقات الرعاية الصحية والتزامات المعاشات التقاعدية مع زيادة متوسط الأعمار، في وقت يُتوقع فيه من الحكومات الاستثمارَ في شبكات كهرباء أقوى، وتعزيز القدرة على مواجهة تغير المناخ، وتطوير التقنيات الجديدة. ويرجح أن يبقى عجز الموازنات العامة تحت الضغط لسنوات.
والأمل معقودٌ على أن يُحقق الذكاء الاصطناعي، والابتكارات المرتبطة به، نمواً في الإنتاجية يُمكّن من تمويل هذه الالتزامات، وهو ما يعتقد المستثمرون بحدوثه بلا شك، استناداً إلى الأداء الاستثنائي لأسهم شركات التكنولوجيا. إلا أن التاريخ يُذكّرنا بأن كل ثورة تكنولوجية تُنتج رابحين وخاسرين، وأن فترات التفاؤل المفرط غالباً ما تتبعها تصحيحاتٌ مؤلمة.
وتأتي هذه الضغوط الاقتصادية في خضم فترة سياسية شديدة الاضطراب. وستختبر الانتخابات النصفية الأميركية، وانتخاب رئيس وزراء جديد في بريطانيا، واستمرار حالة عدم الاستقرار في فرنسا وألمانيا وإيطاليا، الحكومات التي تعاني أصلاً من استياء شعبي. ولا تزال سياسة المناخ محل انقسام سياسي، لا سيما في الولايات المتحدة، رغم أن الآثار العملية لارتفاع درجات الحرارة أصبحت أكثر وضوحاً ولم يعد بالإمكان تجاهلها.
ولا يكمن الدرس المستفاد بهذا الشأن في تزايد درجة حرارة العالم، بل في كون المناخ والطاقة والتكنولوجيا والتركيبة السكانية والسياسة العامة.. كلها أصبحت مترابطة بشكل وثيق. فالقرارات في أحد هذه المجالات تؤثر حتماً على الأخرى.
ويكمن الخطر الحقيقي في استمرار بعض الحكومات في التعامل مع كل تحدٍ على حدة، بدلاً من إدراك أنها تشكل الآن مشكلةً استراتيجيةً واحدةً، حيث يتطلب النجاحُ في مواجهتها نمواً اقتصادياً مستداماً وابتكاراً تكنولوجياً وإرادة سياسية للقيام باستثمارات طويلة الأجل، مع الحفاظ على مستويات المعيشة والمزايا الصحية التي يتوقعها الناس، مما يتطلب قيادةً قادرةً على بناء توافق الآراء وليس تعميق الانقسامات الداخلية.
لذا، قد يُذكر صيف عام 2026 الحار الطويل ليس فقط بسبب درجات حرارته القياسية، بل أيضاً باعتباره اللحظة التي أصبح فيها تجاهل الثمن الباهظ للتأخر في مواجهة التحديات خطأً جسيماً وخطراً محدِقاً. ومع انتهاء الصيف ستنخفض درجات الحرارة، أما التحديات الأساسية، فستبقى قائمةً على الأرجح.
*مدير البرامج الاستراتيجية في مركز ناشونال انترست - واشنطن
إقرأ المزيد


