جريدة الإتحاد - 7/14/2026 9:10:11 AM - GMT (+4 )
هل هذه حقيقة عندما نقول، إن الرواية بنت المدينة؟ أم أنها محض افتراء، وشكل من أشكال الادعاء؟ تعالوا نتخيل أن قرية نشأت منذ ملايين السنين، ولم يحدث أن قص الوالد فيها على الولد قصة الشيطان الذي نهب عقل طفل غر، واختفى، تاركاً الطفل يعج في أتون تخلفه وضياعه، وفقدانه الاتجاهات الأربعة. القصة يا عالم وجدت قبل وجود المدينة، ومنذ أن فتح الإنسان عينيه على السماء ورأى النجوم تلمع في الأعالي مثل عيون قطط سحرية، بدأ يقص القصة، ويحكي الرواية، ويفصل، ويكمل، ثم يمسح، ثم يعيد الكتابة مرة أخرى، حتى تكتمل القصة، ويتأكد له أنه استطاع أن يدير العالم لمجرد إشعال فتيل الخيال، وصار الخيال يوسع من فناء مدركاته، ويكبر، ثم يكبر حتى تحولت القرية الصغيرة إلى بعض مدينة، ثم تكبر المدينة، وتكبر، وتصير قارة صغيرة على الكرة الأرضية، وهذه القارة، تتمدد، ويعلو كعبها، وترسخ جذورها، حتى تكتمل التفاصيل، ويصير للمدينة، رواية غير تلك التي كانت تحتوي شؤون، وشجون القرية. وبالتالي تصبح القرية كأنها هي الأصل في الوجود وهي الراوي الحقيقي الذي خرجت من صلبه الحكاية وكبرت واخضرّ عشبها وملأت حكايتها الدنيا، عندما عرف العالم أن الرواية شكل من أشكال الخلق، وشيء من أشياء يحفظها الإنسان، ثم يلقيها بين يدي من يأتي من بعده. وهكذا تستمر الرواية ما دام الإنسان ما زال يملك تلك القوة العظمى في العالم، وهو الخيال. نقول إن، الرواية بنت القرية، لأن الرواية وليدة الخيال، والخيال جاء قبل ولادة المدينة بل إن، الخيال هو صانع المدينة، ومرتب أثاثها، وهو المعتني بمشاعر خلقها وهو باني نهضتها، ومسدد خطاها. الخيال الكيان الأولي الذي وضع القبعة على رأس المدينة، وقال لها: هيا انهضي فقد تفتحت الأزهار، وتفرعت الأشجار، فلماذا لا نقطف ثمرات الظفر بالتاريخ ونقول، إننا حققنا ذاتنا كبشر، بميلاد أول مدينة حضارية في العالم، وهي أثينا. هل نستطيع أن نتخلى عن القرية بعد أن صعدت المدينة على رأس تلة ورفعت النشيد وقالت: هيا نعمل لأجل الإنسان، ولأجل حلمه الذي بات يستولد من مبهجات المدينة كل ما يجعل الإنسان يفخر بكونه ابن القرية التي أنجبت المدينة، ورعتها، وسهرت على تربيتها، وأحرقت شمعة عمرها من أجل أن تكتمل تفاصيل المدينة، وتقص قصتها على القادمين من جادة العالم الأحدث، وتقول لهم: كانت لي أم اسمها قرية، هي التي صنعت أحلامي، وهي التي خاطت معطف تطلعاتها حتى صرت اليوم أشبهها في كل شيء، إلا في السرعة، لأني استعملت عقلي أكثر مما ينبغي، حتى صار عقلي يسبقني في بناء جدران تألقه وتطوره وتقديم كل ما يلزم حاجة الإنسان للبقاء دون ضياع البوصلة، دون التيه في تفاصيل ما لا يحق للعقل التخلي عنه.
إقرأ المزيد


