جريدة الإتحاد - 7/17/2026 12:18:32 AM - GMT (+4 )
الكراهية كائن أعمى، يمشي على الأرض كما تمشي غيمة ضالة على سحابة من الوهم. والكاره يمضي في الحياة، كمن يرى أن الفراشة لها لون عيني الضفدع، وأن العيون الحور، ميلان في قرص الشمس نحو المغيب، وأن للغزالة جسداً يشبه انحناءة ظهر حوت، وأن للخيل عنقاً يشبه ذيل الثعبان. نظرية نافرة، وحسٌّ يخفق باندحار القلب، هزيمة منكرة للمشاعر أمام مظاهر الطبيعة، ومعطياتها المبهجة. الكاره إنسان فقد الصلاحية، وبلغت أفكاره مبلغ الغيمة عندما تشحُّ، وترشح عن مهارة فائقة في جلب التصحر، وكسب درجات عالية في الضمور.
عندما تنظر في عيني الكاره، تشعر وكأنك تنظر في قاع بئر جفّ معينها، وتدهورت أحجارها مقذوفة على الوجود. عندما تتأمل وجه الكاره، تشعر وكأنك تتابع صفحات كتاب يضم بين صفحاته موضوعاً تافهاً، لا يستحق القراءة، ولا حتى ثمن شرائه.
عندما تتابع لغة جسد الكاره، تحسُّ وكأنك أمام أرانب مذعورة هزمتها مخالب قسورة، فيقشعر بدنك، وتعتريك مشاعر الخوف على الكون، فتقول لنفسك، ما جدوى وجود مثل هذه الحشرات؟ ولماذا هي تدبُّ على الأرض، وتملأ العالم ضجيجاً، وتملؤه ضجراً، أليس من الأجدر أن تتنازل هذه الحشرات عن موقعها على الأرض، لفراشة تلوّن عيون العالم بالجمال، أو وردة تعبق معاطف البشرية بالعطر الذي يفتح ثنيات الضلوع ويملأها بالحياة، أو غزالة تمرُّ من طرفي مقلتين، فتشيع البهجة، وتسرُّ الناظرين، أو خيل لها عنق التألق، وتدفق الحُسن، كأنه الجداول في عروق نخلة غافية على ربوة في الوجود؟ تتمنى أنت أيها العاشق من أجل العشق، ومن دون شروط، ومن دون تنهدات تفشي أسرار الآلة البغيضة التي تدعى الكراهية.. الكراهية آلة قطع الطريق إلى الحياة، وهي منشار حطب يابس، وهي صنّارة صيد تعبث في الأعماق، ولا تباغت الحياة، بسمكة الأحلام البديهية.
الكراهية أغنية فاشلة، وقصيدة غير مكتملة الأركان، ورواية بلا موضوع، بل سرد خاوٍ من المعنى.
الكراهية ليست إلا مشاعر، منتهية الصلاحية، الكراهية حنث في حق السماوات والأرض، ورجس لا يقبل التأويل، سوى أنه فعل من أفعال الحرباء، الكراهية هي كذلك شيء في العقل، وآخر في العقل، وكلاهما نُذر شرٍّ، ولا مجال للقول إنه سهو، أو إنه غلطة مطبعية.
الكراهية طبيعة وليست سلوكاً طارئاً، والكراهية أخلاق، ولكنها ليست عنوان تاريخها، ومكان مولدها، ولا يعرفها إلا الذين أصيبوا بنارها. الكراهية عِلم من علوم المشاعر التي نبتت مثل الأعشاب الشوكية، في حقل الورد.
إقرأ المزيد


