جريدة الإتحاد - 7/20/2026 9:13:00 AM - GMT (+4 )
تذهب إلى محل لبيع القهوة فتطلب كيلو أو اثنين من الحبّات السمراء الثمينة، فيقول لك البائع ليست لديّ قهوة «بيور» كما يسمّونها، يعني غير منكَّهة أو لا توجد فيها نكهات وإضافات أخرى، أستثني من ذلك قهوتنا المنزلية التي لم تتغيّر. وهناك قهوة، بالأناناس، وقهوة بالكركديه، وأخرى بالزهور وبالليمون. لا أعرف كيف يحتسي الناس القهوة بكل تلك النكهات، كيف يمكن أن أحتسي قهوة بالليمون مثلاً؟ وعندما تسأل البائع ما الذي حدث لكم؟ وأين يمكنني أن أجد القهوة بدون إضافات، فيقول لا يوجد، فهذا ما يحبّه مرتادو المقاهي من الشباب، قهوة بنكهات متعددة تروق لأمزجتهم. لم تعد تلك القهوة السمراء، معشوقتنا جميعاً، هي التي أحببناها وسنظل نحبها كما هي بطعمها الأصيل، وإنما دخلت أيضاً المادة في الموضوع وأصبحت القهوة بلا طعم وبلا رائحة. وعندما قال محمود درويش: «أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي»، كانت القهوة وكأنها فنجان تم تحضيره في تلك اللحظة التي تقرأ فيها القصيدة، تشتمّ رائحتها كما تشتمّ رائحة الخبز. للأسف في زمننا هذا لم تَعُد القهوة كما عرفناها بل هي الجديدة المحسَّنة والتي يحبها روّاد الأماكن المفتوحة من الجيل الجديد. إن الأذواق تختلف، لذا قيل: «لولا اختلاف الأذواق لبارت الأسواق»، لذا تشهد الأسواق متغيّرات تحسمها الأمزجة وما يستهويه الناس. في السابق كانوا يستنكرون القهوة إذا دخل عليها عنصر جديد، فيُقال: إن القهوة «فارجه أو نيّه»، أي يذهب الشك مباشرة إلى أنها غير ناضجة ولم تحمَّص بالشكل المطلوب، أو دخل عليها طعم آخر ويرفضون تناولها، ويتم إعداد دلّة جديدة حتى يتم التأكد من أنها أصبحت خالية من الروائح. وكان الأوّلون يضعون القهوة في أوانٍ وأماكن خاصة حتى لا تتأثر بالروائح من حولها، مثل البهارات أو العطور، وحتى روائح الفاكهة. ويعتقدون بأن القهوة لأصالتها «تنكر»، أي تستنكف ما يمكن أن يؤثر في طعمها ورائحتها وقوتها وحضورها البهيّ في المجالس. وما يجري على القهوة ينسحب كذلك على الهيل الذي يتأثر كذلك بالروائح المحيطة، ويُفسَد تماماً إذا لُمس باليد. مزاج القهوة خاص جداً، للمحافظين على الأصول ممن لم تلوِّنهم الحياة، وممن لم يستسلموا لمنطق السوق والعرض والطلب، وروّاد المقاهي الذين أخذت بعضهم المدنية إلى حيث فقدوا البوصلة للتعرّف على القهوة بطعمها الأصيل.
إقرأ المزيد


