بين موجة زرقاء.. وظل نخل أخضر -2-
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

إن كان حكى الماء في سردية الأمس فإن حديث النخل لا ينتهي اليوم، ثمة حكايات ارتبطت بجذور النخل منذ الأبد، حينما كان يقص شعر الولد في أسبوعه الأول ليدفن تحت ظل نخلة ستظل تكبر معه، وقد يتمنى لو تنتهي حكايته في خريف عمره تحت ظلها، لتتوالى الحكايات من الجد إلى الأب إلى الحفيد.
الإنسان هنا كان يجد كل ما ينفعه في هذه الشجرة المباركة، لو لم يجدها في حياته ربما تشاكلت وتخالفت عليه الأمور، يظل يأكل منها هو وجيرانه ومعارفه والغرباء الذين يقصدونه، وحتى أنعامه صيفاً وشتاء، يجدل من ليفها حبالاً، ويصنع من جذوعها بيوتاً وأسقفاً، ويحوط منازله ومزارعه بسعفها وجريدها، ويفصل منها نعلاً تقيه حرقة الرمل والرمضاء، ومنها تأتي سلاله لأغلاله، وبسطه وحصره، وما يؤكل عليه أو يغطي به طعامه وشرابه أو حتى منامه.
كانت النخيل وكان الإنسان وأصبحت الحياة، حتى حين تضيق الدنيا ويكفهر وجهها، ويأتي الجراد ويأكل الأخضر واليابس، كانت نواة التمر آخر ما يتبقى له ليطحنها ويأكلها أو يصنع منها قهوته أو يصنع من لُبّها شراباً أو ما يسند عافيته، وحينما جفت مرة الحياة وانقطعت النخيل وأضمرت وتساقطت قممها، أصاب الناس الكساح، وظلوا لا يقوون على المشي حتى غدت الرجال تزحف، لأن ليس هناك ما يصلب عودها، وما تعودوا أن يأكلوه.
تغلغلت النخل بظلها في حياة الناس فكانت أمثالهم وأقوالهم وتشبيهاتهم، وحضرت مسمياتها، وانتقوا أسماءها كما ينتقون أسماء أبنائهم، لقد ظل النخل عزيزاً على الدوام، يكفي أن تراه العين لتسكن الروح وتطرب، ظهر في غنائهم ومواويل قصائدهم، سافر معهم يحدو بأرواحهم، فكان المعين في نداء العودة، وحنين الدار، لذا لا أجد أجمل من نخلة تساقط من ثمرها الجنيّ، وظلها الذي يأوي إليه المتعب والمحب وراعي الأرض ليسعد بلحظة من سُبات لا يُشبع منه، وصوت حمام الراعبي وجريان الماء، تلك هي أغنية النخيل الدائمة عندي.
والناس هنا أول تباشير الصيف يهدونها للأحبة من نخليهم، تحضر مخرافة الرطب واللومي الأخضر وفوعة السِمنّ، وتحضر قوس التمر، والدبس ومؤن الشتاء التي يودعون بها حُضّار القيض في سيرهم لسواحلهم من نخيلهم، النخلة حاضرة.. والآن بكثرة وقوة، ولا يخلو منزل في بلادي منها.. لا خلينا منها ومن خيرها هي أم الخير.



إقرأ المزيد