فائزون بالجائزة ضمن فروع الدراسات والبحوث لـ «الاتحاد»: «كنز الجيل» ذاكرة الشعر النبطي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 أبوظبي (الاتحاد)
تحقق جائزة «كنز الجيل» التي ينظمها مركز أبوظبي للغة العربية، نجاحاً ملحوظاً دورة إثر دورة، بوصفها جهداً استثنائياً لحفظ الهوية الوطنية، وصون الموروث الشعبي الإبداعي، فهي أُطلقت بهدف إحياء الشعر النبطي ودراساته وفنونه، مستمدة عراقتها من استقاء تسميتها من أشعار المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ورؤيته، وحكمته، حيث استطاعت أن تكرّم المبدعين في مجال الفنّ الأدبي ضمن ستّة فروع هي: المجاراة الشعرية، والدراسات والبحوث، والفنون، والإصدارات الشعرية، والترجمة، والشخصية الإبداعية.

ويحظى فرع «الدراسات والبحوث» في الجائزة بأهمية بالغة، إذ يمثِّل الجسر المعرفي الذي ينقل الشعر النبطي من الفضاء الشفاهي العفوي إلى ميدان التوثيق المنهجي. فالأبحاث الرصينة التي فازت في هذا الفرع عبر دورات الجائزة حفرت في عمق المضامين لتكشف عن ملامح التاريخ والتراث والقيم، والتحولات المجتمعية التي صاغت وجدان المنطقة، بحيث أصبح هذا الفرع تحديداً بمثابة حارس الذاكرة، ومحرك بوصلة الوعي، ما يضمن ديمومة هذا الإرث للأجيال القادمة.
وكان الفوز الأول في فرع الدراسات والبحوث من الجائزة في العام 2022 من نصيب الدكتورة عائشة الغيص، عن كتابها النقدي «براعة الاستهلال في الشعر النبطي الإماراتي»، إذ وجدت أن هذا الفرع مرآة تعكس «الأنثروبولوجيا» كوثيقة تاريخية للمنطقة.
وتقول الغيص: «الشعر النبطي ليس مجرد نص جمالي أو قول وجداني، بل هو سجل حيّ للبيئة والإنسان والعادات والقيم، وأنماط العيش والتحولات الاجتماعية، ومن خلال دراسته علمياً يمكن أن نقرأ صورة المجتمع، وعلاقته بالمكان، وبالصحراء والبحر، وبالأسرة والقبيلة والوطن، كما يمكن أن نستعيد مفردات الحياة اليومية ورموزها ودلالاتها. لذلك فإن تأصيل الشعر الشعبي- النبطي بحثياً يمنحه بعداً يتجاوز الأدب إلى كونه وثيقة إنسانية تحفظ ملامح الذاكرة الجمعية، وهذا ما نجح به مركز أبوظبي للغة العربية من خلال إطلاقه لهذه الجائزة».
قيم إنسانية
وتابعت الغيص: «من المؤكد أن الدراسات والبحوث في الشعر النبطي دعامة رئيسية لترسيخ الهوية الوطنية وربط الأجيال الجديدة بتراثها الثقافي، لكن يجب ألا تُوجَّه تلك الدراسات إلى القارئ الخليجي وحده، حتى وإنْ كان الأقرب وجدانياً وبيئياً إلى هذا اللون الشعري. فالشعر النبطي رافد أصيل من روافد الثقافة العربية، وجزء من الذاكرة اللغوية والشعبية للمنطقة العربية كلها. ومن المهم أن يصل إلى القارئ العربي بمختلف جنسياته، لأنه يحمل قيماً إنسانية مشتركة (الحكمة، الوفاء، الكرم، الحب، الانتماء، الصبر، والشجاعة)، وتفتح دراسته نافذة لفهم اللهجات العربية وتطورها وصلتها بالفصحى، بوصف الشعر الشعبي ليس هامشاً ثقافياً، بل مكوّن فاعل في بناء الهوية العربية».
تعزيز الهوية الوطنية
وتضيف الغيص: «يمثّل لي الشعر النبطي، كباحثة، مساحة معرفية وجمالية وإنسانية في آن واحد. فهو ذاكرة الأجداد، وصوت المكان، وخلاصة تجربة طويلة عاشها الإنسان في هذه المنطقة، وعبّر عنها بلغة قريبة من وجدانه. أما بحوثي ودراساتي في هذا المجال فتهدف إلى قراءة هذا الموروث قراءة علمية نقدية، تحفظ قيمته من جهة، وتعيد تقديمه للأجيال الجديدة من جهة أخرى».
ما بين النبطي والفصيح
وحصد الباحث الكويتي الدكتور عبدالله غليس، جائزة فرع «الدراسات والبحوث» في دورة العام 2023 عن كتابه «المرجع الوافي في الأوزان والقوافي للشعر الفصيح والنبطي»، والذي بات كتاباً تعليمياً، ومرجعاً شعرياً في الوقت نفسه، لما يقدمه من معلومات واسعة تتبع منهجية علمية لتكون مرجعاً ثقافياً وتاريخياً لمنطقة الخليج العربي.
ويقول غليس: «الشعر النبطي هو المرآة التي تعكس حياة المنطقة وتصوّرها تصويراً حقيقياً بكل تفاصيلها بعيداً عن التكلّف، لأن الشعر النبطي يردده حتى الذي لم يتعلم، ويجيده بسليقته ولهجته التي استقاها من أهله وبيئته، فأدوات النبطي متاحة، وقاله كل من يمتلك موهبة الشعر في كل موقف وحدث، فجمع هذا الشعر الأخبار ودوّن الآثار، وصوّر الحياة الاجتماعية تصويراً واضحاً».
وأضاف: «من المؤكد أن فرع الدراسات والبحوث في الجائزة وثيقةٌ شاهدةٌ على تاريخ المنطقة، فالباحث في الشعر النبطي لا بد أن يستشهد بأبياته في بحثه، وكثير من شواهد الشعر النبطي غير مدوّنة، فالاستشهاد بها حفظ لها بما فيها من تصوير لحياة الناس في المنطقة على اختلاف عصورهم ومنازلهم، وعلى تعدد أغراض أشعارهم والمواقف التي قيلت فيها. وقد حصل هذا معي في بحثي الذي فاز بالجائزة، فكثير من الشواهد فيه سمعتُها وليست من دواوين شعرية. كما أنني أفدتُ من الشعر النبطي لخدمة الشعر الفصيح، وهذه من الغرائب غير المعتادة، فقد توصلت في كتابي إلى حلول لما أشكل على بعض علماء العرب القدامى، كاستغراب النظّام (شيخ الجاحظ) من دوائر العروض وسخريته من عمل الخليل فيها وقوله إنها لا تفيد أحداً غيره. وكتهكّم الدكتور إبراهيم أنيس على الخليل بن أحمد عندما افترض أن للأوزان أصولاً تطورت حتى صارت إلى ما رُوي فعلاً في الأشعار».
شواهد تفسر الظواهر
وتابع الغليس موضحاً كيف ردّ في كتابه على هذه الاتهامات، يقول: «وجدتُ أوزاناً لم تأتِ في الشعر الفصيح وأثبتها الخليل في دوائره وجاءت في الشعر النبطي، كالممتد، والمستطيل، والمطّرد، بالإضافة إلى مجيء الوزن التام الذي افترضه وهو لم يجد عليه في الشعر الفصيح إلا المجزوء، بالإضافة إلى رد توضيح كيف تخلّص الشعر النبطي من التقاء الساكنين، وتفسير بعض الظواهر اللغوية التي تفيد القارئ بشكل عام».
ربط الأجيال بتراثها
وحول ما تقدمه الجائزة من خلال فرع الدراسات والبحوث، من تجذير وتأسيس معرفي للشعر النبطي والموروث الشعبي، يقول الباحث والإعلامي الإماراتي علي أبو الريش- الفائز بالجائزة عن الفرع ذاته في دورة العام 2025: «تبحث دراسة الشعر الشعبي عن سر الشعر والكلمة وما تحمله من روح الإنسان، وأثر خطواته على أديم الأرض التي نحت على حبات ترابها صورته، وهويته، وهواه، وبلاغة لسانه، ونبوغ رؤيته، وتفاصيل تاريخه، ونبع همومه وأسئلته الوجودية».
وتابع: «الشعر ليس إلاّ فلسفة السؤال الوجودي الأول (من أنا)، ومنذ ذلك السؤال صار لسان حال الإنسان يسترسل في بناء لهجة، وهي بنت اللغة، وهي جذرها الآخر في تكوين الجملة الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والثقافية. وبذلك فإن الشعر الشعبي ليس مجرد كلمات، وإنما هو في الاساس ترنيمة فردية، تتناغم مع الدورة الكونية عبر التاريخ البشري».
وقال أبو الريش: «أبدع مركز اللغة العربية حين خص الشعر والموروث الشعبي بجائزة تسلط الضوء على هذا المجال الحيوي في حياتنا، فالشعر الشعبي ليس ترفاً، وإنما هو ضرورة ثقافية ملحة، وأشكر إدارة المركز على وعيها ونباهة فكرها، لما يمثله الشعر الشعبي من أهمية بالغة في حياة كل إماراتي»
أشعار الشيخ زايد
 ويؤكد أبو الريش أهمية دور دراسات الشعر النبطي- الشعبي، ويقول: «لا بد من مزاولة البحث في الشعر الذي يعدّ إرثنا العظيم، فمن يتذوق هذا الشعر يفقه ماذا يعنيه، وما هي قيمته بالنسبة للصحراوي العتيد، فالبحث في الشعر النبطي- الشعبي، وتراثه ضرورة ملّحة، بخاصة أن دولة الإمارات غنية جداً بالشعراء، وسيد الكلمة الشعرية في بلادنا هو المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، وكان في عرفه الشعري أن الشعر النبطي هو هدب النور الذي يستدل به على ما يجيش في داخله، وما يختلج في أعماق الآخر، ومتى ما علا صوت الشاعر ارتفعت هامة الشاعرية لدى المجتمع».
وتوقف أبو الريش أمام كتابه «زايد عوالم شعرية سقفها المدى»، الذي نال عنه جائزة «كنز الجيل»، وتناول موضوعات رئيسة في قصائد الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، من ضمنها: الأخلاق، والجمال، والمرأة، والحب، والشباب، والسلام.
ويقول: «تناول شعر المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيّان - طيّب الله ثراه - كافة أغراض الحياة، وكل ما يمتُّ للإنسان بعلاقة قيمية أخلاقية، ومن يقرأ شعر الشيخ زايد، يقرأ ضوء النجوم في السماء، يقرأ جوهر الحياة، وهكذا قرأت في شعره - طيّب الله ثراه - ما يمنح الإنسان قوة المعنى، والحب وسر التواصل بين الكلمة والوجود».



إقرأ المزيد