جريدة الإتحاد - 8/13/2026 11:32:08 PM - GMT (+4 )
في عام 1600 قام أحد أثرياء هولندا بزيارة سياحية إلى مدينية في «الكونغو». وفي وصفه للمدينة، قال الزائر الهولندي إن فيها شارعاً تجارياً يزيد عرضه سبعة أو ثمانية أضعاف عن الشارع الرئيس في مدينة «امستردام» عاصمة هولندا (شارع ورمو)، وهو أشدّ شوارعها ازدحاماً بالناس. ووصفه بالقول: «تحسب أنه شارع لا نهاية له».
وسجّل الزائر الهولندي في مذكراته أن القصر الملكي الكونغولي كان يمتد على مساحات واسعة «حتى تكاد تعتقد أنه بلا نهاية»، كما كانت جدرانه الخارجية مزينةً بتماثيل مصنوعة من العاج تمثل صيادين وهم يصطادون حيواناتٍ مفترسةً.
كانت تماثيل العاج التي تجسد آلهةَ القبائل منتصبةً في جوانب القصر الملكي وعلى طول الشارع. كان هناك إله المحاربين، وإله المزارعين، وإله الصيادين، وكذلك إله الفنانين.. إلخ. وبموجب التقاليد المعتمدة في حينه، كان على الملك، وبمجرد اعتلائه العرش، أن يقدّم هديةً للآلهة، غالباً ما تكون على شكل تمثال عاجي جديد يعلَّق في مكان بارز على طول الشارع الذي يقع فيه القصر الملكي.
تعرّضت الكونغو مع سائر دول أفريقيا إلى حملتين إلغائيتين. كانت أولاهما استعبادية، وقد تنافست على القيام بها دول أوروبية عديدة أبرزها بريطانيا والبرتغال وإسبانيا. أدّت تلك الحملة إلى نقل السكان الأفارقة من مدنهم وقراهم، عبر المحيط الأطلسي، إلى ما سيُعرف بالولايات المتحدة وإلى مستعمرات أخرى في أميركا الجنوبية التي أصبحت هي كذلك دولاً مستقلة فيما بعد.
ولأن «المستعبَد» كان يجب أن يكون بصحة جيدة حتى يُباع في أسواق النخاسة، فإن التخلّص من «العبيد المرضى» كان يتمّ بإلقائهم في البحر خلال رحلة عبور المحيط الأطلسي، كونه الحل الأقلّ كلفةً.
لا يُعرف عدد الأفارقة الذين تعرّضوا للاستعباد، ولا عدد الذين أُلقيَ بهم طعاماً لحيوانات المحيط.. لكنهم كانوا جميعاً من الشبان الأصحّاء، وكان بينهم كثيرون من الكونغو.
أما الحملة الإلغائية الثانية فكانت «استعمارية»، وقد جرت على يد الدول الأوروبية ذاتها. ويروي كتاب صدر في لندن عام 1887 قصص مصادرة التحف الفنية على يد قوى عسكرية بريطانية، ويقول إن بعض تلك الآثار الفنية التي نجت من السرقة لا تزال حتى اليوم غارقة في وحول بعض الأنهار. ويروي الكتابُ كيف تصدى شعب «الأوبا» (الكونغولي) للغزوات البرتغالية والهولندية ثم الإنجليزية.. ويلقي الضوءَ على مصير بعض الآثار والمنحوتات الفنية التي نُهبت.
وما يقال عن الكونغو في قلب أفريقيا، يُقال عن مناطق عديدة أخرى من القارة المظلومة؛ شرقاً (كينيا والسودان)، وغرباً (نيجيريا والسنغال)، وشمالاً (البلدان المغاربية)، وجنوباً (جنوب أفريقيا). عندما انتُخب الرئيس باراك أوباما (الذي يتحدّر من أسرة كينية) رئيساً للولايات المتحدة، وجد لدى دخوله المكتب البيضاوي تمثالاً رأسياً لونستون تشرشل، رئيس الحكومة البريطانية الأسبق، فسأل باستهجان: مَن أتى به إلى هنا؟ فقيل له إنه هدية من مارغريت تاتشر، رئيسة الحكومة البريطانية السابقة، إلى الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الأب، الذي كان معجباً بتشرشل. طلب أوباما إزالةَ التمثال وإعادتَه إلى لندن. لقد سجن تشرشل والد وجدّ أوباما اللذين اشتركا في حركة «الماوماو» الاستقلالية ضدّ الاحتلال البريطاني، وعرّضهما للتعذيب عندما كان مسؤولاً عن السلطة البريطانية الاحتلالية لكينيا. ومن أجل ذلك بادرت الحكومة البريطانية إلى إقرار تعويضات مالية لعائلات الأفارقة الكينيين الذين تعرّضوا للسجن والاضطهاد. ومع هذا لم يغفر أوباما، ولم ينسَ.. فهل نسي الأفارقةُ أو غفروا؟!
*كاتب لبناني
إقرأ المزيد


