جريدة الإتحاد - 8/13/2026 11:51:16 PM - GMT (+4 )
قد توحي التحليلات السياسية منذ انتخاب زهران ممداني عمدةً لنيويورك بأننا نعيش العصرَ الذهبي لليسار أو أن الشيوعيين قادمون. قد يصبح ذلك واقعاً انتخابياً يوماً ما، لكنه ليس كذلك اليوم. فقد حقق مرشحون يساريون نتائج قوية هذا الأسبوع، لا سيما في الانتخابات التمهيدية بميشيغان وكانساس، كما فاز «ديمقراطيون» معتدلون. وبعض الفائزين امتلكوا أموالًا ضخمة، بينما خاض آخرون السباق في ظل عجز مالي كبير. لكن القاسم المشترك بين أفضلهم هو إدراكهم أن الفوز يتطلب تنظيمَ الناخبين، لا مجرد جمع التبرعات منهم.
ويعاني الحزب الديمقراطي مشكلةً هيكليةً عميقةً، ذلك أنه عالق بين الماضي والمستقبل، ويبدو أن الجناح التقدمي فيه هو وحده الذي يدرك ذلك.
وقد يجادل «ديمقراطيو» المؤسسة الحزبية حول قدرة المرشحين اليساريين على الفوز، لكن مشكلة الحزب أكبر من ذلك. فالنقابات العمالية ومنظمات الحقوق المدنية كان محركَ قوته الانتخابية. وقد حشدت النقاباتُ الطبقةَ العاملةَ لعقود بعد «الصفقة الجديدة»، لاسيما في المناطق الريفية وحزام التصنيع، بينما حشدت منظماتُ الحقوق المدنية أصواتَ الناخبين السود وأبقت الديمقراطيين قادرين على المنافسة في الجنوب منذ توقيع ليندون جونسون قانونَ الحقوق المدنية. غير أنَّ ستةَ عقود من التحديات الاقتصادية والقانونية والسياسية والثقافية جعلت مِن الصعب بل من المستحيل على النقابات وجماعات الحقوق المدنية القيامَ بمهمتها.
ولطالما عملت منظمات الحقوق المدنية للسود على حشد الناخبين يوم الانتخابات، فهي تبني قواعد الناخبين، وتحول البرامجَ الوطنية إلى رسائل محلية، وتدرب المرشحين والعاملين في الحملات. وكانت نساءُ مجتمعِ السود القوةَ الأساسيةَ لهذا العمل. وبعد إضعاف المحكمة العليا لقانون حقوق التصويت، شعر المنظمون السود في الجنوب بأن الديمقراطيين تخلوا عنهم.
كما وصلت نسبة العمال المنضمين إلى النقابات إلى أدنى مستوياتها. وحتى ولو وجد الديمقراطيون خطاباً وسطياً لاستعادة ناخبي الطبقة العاملة وتنشيط الجنوب، فإن الكنائس والمدارس وقاعات النقابات والجمعيات التطوعية التي تحشد الناخبين تتعرض للهجوم، وذلك في وقت لا توجد فيه أموالٌ كافية لمنظمي القواعد الشعبية لمواصلة العمل الضروري.
ويحاول المرشحون الجدد سد الثغرات بالتوجه إلى أحياء تتجاهلها الحملات التقليدية، ومزج بناء العلاقات المجتمعية باستراتيجيات البيانات الرقمية، مثل الاستهداف الدقيق للناخبين. وهم لا يكتفون بتحميل دونالد ترامب مسؤولية المشكلات، بل يركزون على قضايا يقول الناخبون إنها مهمة. وهكذا يخوض المرشحون التقدميون حملاتهم كمنظمين، كاشفين نقاط ضعف في الآلة «الديمقراطية» تعود إلى أول حملة رئاسية لباراك أوباما.
ومنذ منتصف العقد الأول من القرن الـ21، تبنى الديمقراطيون موقفاً مفاده أن الحملات الانتخابية (الشعبية) بحاجة إلى تحديث رقمي، فتحولت الاجتماعات والاتصالات الهاتفية وطرْق الأبواب إلى رسائل إلكترونية ونصية وروابط تبرعات مخصصة. في ذلك الوقت بدا الجهاز الانتخابي المدعوم بالتكنولوجيا، متعدد الأعراق وتقدمياً ويمنح الأميركيين العاديين نفوذاً أكبر من كبار المانحين. لكن بحلول عام 2020، اختفت أفضلية «الديمقراطيين» في الحملات الرقمية، ولحق بهم «الجمهوريون» الذين وواصلوا توسيعَ قواعدهم الشعبية. وبينما استثمر الديمقراطيون في التكنولوجيا من دون بناء قاعدتهم بين الانتخابات، ابتعد عنهم وادي السيليكون واتجه إلى ترامب، واستمرت رسائل جمع التبرعات بالتدفق.وفي ظل انقلاب الأمور، يدرك المرشحون أصحاب الموارد المالية الضخمة أن شراء الإعلانات لا يضمن الفوزَ، فالفائزون حالياً هم مَن ينجحون في التنظيم السياسي، وليس فقط في جمع التبرعات. ويتجلى هذا في حملة فرانشيسكا هونغ الاشتراكية الصريحة لمنصب حاكم ولاية ويسكونسن. فبمساعدة نحو 7 آلاف متطوع ينفذون حملةً ميدانية مدعومةً من منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأميركيين، تتقدم هونغ في استطلاعات الرأي رغم نقاط ضعفها السياسية.
ومع تراجع قوة إعلام حركة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» («ماغا»)، يبدو أن أمام الديمقراطيين فرصة لاستغلال الزخم. فالقواعد الشعبية تميل إلى السياسة الشعبوية، ما يناسب التقدميين ويجذب مرشحين أصغر سناً وأكثر تنوعاً. وليس كل من تجاوز التوقعات يسير نحو اليسار، لكنهم جميعاً يخوضون حملاتهم باستراتيجية وبناء للعلاقات ونظرة إلى المستقبل. لذا، فإذا أردنا معرفة اتجاه الديمقراطيين في 2026 و2028، فلا ينبغي أن نبحث عن موجة اشتراكية، بل عن مرشحين يدركون أن القواعد الانتخابية الشعبية تُبنى على الناس لا على المال.
*أستاذة علم الاجتماع بجامعة نورث كارولاينا في تشابل هيل
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
إقرأ المزيد


