جريدة الإتحاد - 8/13/2026 11:51:23 PM - GMT (+4 )
لم يكن دعم إسرائيل يشكل حتى الآن موضوعاً للنقاش في الانتخابات الأميركية، حيث كان هناك إجماع كبير بين «الديمقراطيين» و«الجمهوريين» على ضرورة أن يكون هذا الدعم غير مشروط. وكان التنافس بين الحزبين يدور حول من يدلي بأكثر التصريحات تأييداً لإسرائيل. غير أن هذا الأمر أخذ يتراجع تدريجياً. إذ بدأ يظهر نوع من التباعد والانحسار في التأييد بين جزء من المسؤولين السياسيين والمعلقين الأميركيين المؤثرين وإسرائيل، سواء في صفوف «الديمقراطيين» أو «الجمهوريين».
في أوساط «الجمهوريين»، تنبع معظم الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل من النواة الصلبة لحركة «ماجا» («اجعلوا أميركا عظيمة مرة أخرى»). إذ ينتقد هذا التيار القومي الأميركي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسبب جر بلادهم إلى الحرب ضد إيران، التي تبين أنها أكثر تعقيداً بكثير مما كان متوقعاً. فقد تبين أن الخطة الأولية التي اقترحها نتنياهو، والمتمثلة في قطع رأس النظام الإيراني وإسقاطه وإقامة نظام صديق مكانه، كانت خاطئة تماماً. كما يؤاخذ أنصار حركة «ماجا» على إسرائيل عدم مراعاتها المصالح الوطنية الأميركية وعدم إظهار الامتنان للولايات المتحدة على المساعدات التي تقدمها لتل أبيب منذ فترة طويلة. ويذكّر الأكثر تعصباً منهم أن شعار الرئيس دونالد ترامب يجب أن يكون «أميركا أولاً» وليس «إسرائيل أولاً». وقد صدرت عن ترامب، في جلسات خاصة، كلمات شديدة اللهجة في حق نتنياهو، وسمح بتسريبها عمداً. ومن جانبه، ذكّر نائب الرئيس جي دي فانس بأنه لولا المساعدة الأميركية، لما استطاعت إسرائيل الدفاع عن نفسها، وبأن على الإسرائيليين أن يتذكروا ذلك.
والواقع ان رفض نتنياهو تنفيذ خطة السلام التي طرحها ترامب بشأن غزة لم يثر غضب الرئيس الأميركي حتى الآن، لكن هذا الأخير قد يرى أن مصداقيته صارت على المحك، وأن على رئيس الوزراء الإسرائيلي أن يراعي أولوياته الاستراتيجية بشكل أكبر، معتبراً أن إسرائيل بحاجة إلى الولايات المتحدة أكثر من العكس.
أما على الجانب «الديمقراطي»، فإن الصور المؤثرة القادمة من غزة هي التي سببت الصدمة. فهناك انقسام بين الأجيال: فالجيل القديم لا يزال يبدي دعماً غير مشروط لإسرائيل؛ في حين، ينتقد الشباب «الديمقراطي» الرئيس السابق جو بايدن بسبب تزويد إسرائيل بقنابل لقصف غزة والتسبب للمدنيين الفلسطينيين في معاناة لا يمكن قبولها. وفي الأثناء، ينأى اليهود الأميركيون عن إسرائيل: فإما أنهم متدينون جداً ويعتقدون أن الله يحميهم، من دون الحاجة إلى دولة لضمان هذه الحماية، وإما أنهم ليبراليون جداً ويرفضون سياسة نتنياهو. وهكذا، تمكن زهران ممداني من الفوز بمنصب عمدة نيويورك، المدينة التي تضم أكبر تجمع سكاني يهودي في الولايات المتحدة، رغم أنه وجّه انتقادات شديدة تجاه إسرائيل. والجدير بالذكر هنا أن جميع المرشحين الذين دعمهم في الانتخابات التمهيدية وانتخابات منتصف الولاية نجحوا في نيل تزكية الحزب «الديمقراطي» ضد مرشحين تقليديين.
وفي ولاية ميشيغن، خلال الانتخابات التمهيدية للحزب «الديمقراطي» لانتخابات مجلس الشيوخ، فاز عبد السيد، وهو مرشح يعارض صراحةً الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل، على مرشح مدعوم من «لجنة العمل السياسي» التابعة لـ«لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية»، أو «آيباك» اختصاراً، وهي جماعة الضغط المؤيدة لإسرائيل، ومن القيادة «الديمقراطية» في واشنطن. وقد أُنفقت 60 مليون دولار في هذه الانتخابات التمهيدية فقط، وهي انتخابات لا تهدف إلى اختيار عضو مجلس الشيوخ، بل اختيار المرشح الذي سيتنافس على مقعد في مجلس الشيوخ. وقد أكد عبد السيد صراحةً أنه يكنّ الكثير من الاحترام والإعجاب والمودة لليهود، مع التأكيد على أنه يميز بوضوح بين اليهود ودولة إسرائيل. وبحسب رأيه، فإن سلوك الحكومة الإسرائيلية وسياستها لم يعودا يبرران الدعم المقدم لها، معتبراً أن هذه الأموال يمكن توظيفها بشكل أفضل في ميشيغن بدلاً من استخدامها لتمويل شراء أسلحة موجهة إلى إسرائيل.
إنه موضوع جوهري يكتسي أهمية متزايدة. فقد بات بعض المرشحين يرفضون الآن التبرعات المقدمة من «آيباك»، في حين كان استياء «آيباك» من مرشح ما، في السابق، يعني هزيمته المؤكدة في الانتخابات التمهيدية، وهو ما لم يعد كذلك اليوم. وبالطبع فإن عبد السيد لم يضمن بعد فوزه بمقعد في مجلس الشيوخ، لكن ترشحه يمثل إشارة مهمة.
وصحيح أيضاً أن التحالف الأميركي- الإسرائيلي لا يزال قوياً ومتجذراً في التقاليد، بل هناك مناقشات في الكونجرس الأميركي حالياً حول تعزيز العلاقات الاستراتيجية والعسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل. غير أن كل ذلك أصبح الآن موضوعاً للنقاش والجدل، وهو ما لم يكن كذلك من قبل.
*مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس.
إقرأ المزيد


