الذكاء الاصطناعي.. هل يزيد تكاليف الحياة اليومية؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تتمثل «مفارقة الذكاء الاصطناعي» في أنه من المفترض أن يجعل السلع والخدمات أرخص على المدى الطويل، لكنه يجعلها أكثر تكلفة في الوقت الراهن. فاندفاع الشركات نحو تصدر ثورة الذكاء الاصطناعي يزيد الطلب على كل شيء، من رقائق الحاسوب والبرمجيات إلى الكهرباء، ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع. وإذا استمرت الطفرة، فقد يواصل التضخم ارتفاعه، مما يعقد جهود البنوك المركزية لكبحه.

وفي يوليو، ارتفع التضخم بنسبة 3.4% مقارنة بالعام السابق، بينما ارتفع التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة، بنسبة 2.5%، أي أعلى بـ0.5 نقطة مئوية من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%. وهو الرقم نفسه الذي قالت مؤسسة الاستشارات المالية الأميركية «غولدمان ساكس» إن ارتفاع أسعار الذكاء الاصطناعي سيضيفه إلى التضخم الأساسي بحلول نهاية العام الحالي. وإذا لم تدفع عوامل أخرى، مثل الرسوم الجمركية والحرب مع إيران، الأسعار إلى الارتفاع، يرى اقتصاديون أن صورة التضخم قد تتحسن. ويرى مارك زاندي، كبير الاقتصاديين في «موديز أناليتكس» للتحليلات الاقتصادية وأبحاث المخاطر إن التضخم لا يزال مرتفعاً بشكل مثير للقلق، لكنه يتحرك في الاتجاه الصحيح.
لكن من الصعب تتبع تأثير الذكاء الاصطناعي على التضخم؛ فهو يزيد الطلب من خلال استهلاك كميات هائلة من الطاقة ومكونات الحاسوب الأساسية. كما أن طفرة الذكاء الاصطناعي في «وول ستريت» عززت محافظ الأسهم، ما حفز إنفاق الأثرياء وزاد الطلب بدوره. وقد يسهم الذكاء الاصطناعي مستقبلاً في زيادة المعروض من خلال رفع إنتاجية العمال وخفض تكاليف السلع والخدمات، لكن الأدلة حتى الآن تشير إلى آثاره التضخمية أكثر بكثير من آثاره التي تخفض الأسعار.

وتبرز الكهرباء مثالاً واضحاً، فقد ارتفع سعرها خلال السنوات الست الماضية بنسبة 43%، مقابل 29% للتضخم الإجمالي. وخلصت دراسة لبنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس إلى أن الذكاء الاصطناعي رفع متوسط أسعار الكهرباء بالجملة في الولايات المتحدة بنسبة 2% إلى 6%، وتجاوز التأثير 10% في بعض المناطق، ومنها شمال ولاية فرجينيا، التي تضم أكبر تجمع لمراكز البيانات في البلاد، وهي ضرورية لتوفير القدرة الحاسوبية التي يحتاج إليها الذكاء الاصطناعي.

وانعكست تلك الزيادات على المستهلكين، إذ ارتفعت أسعار الكهرباء بوتيرة تتجاوز التضخم منذ نهاية الجائحة، بل قد ترتفع فواتير الخدمات أكثر؛ إذ وجدت دراسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس أنه إذا استمر بناء مراكز البيانات المقترحة وفق سيناريو معتدل، فقد ترتفع أسعار الكهرباء بالجملة 20% إضافية حتى عام 2028، بينما قد ترتفع 50% في حال التوسع الكبير في البناء.

وتظهر المشكلة نفسها في مكونات الحاسوب. فقد أدت طفرة الذكاء الاصطناعي إلى نقص بعض الرقائق الإلكترونية وارتفاع أسعارها، لاسيما رقائق ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية «دي رام». وتشير التقديرات إلى أن أسعار هذه الرقائق ستصل بحلول نهاية العام إلى خمسة أمثال مستوياتها في 2004، فيما ترتفع أسعار رقائق التخزين أيضاً. ووصل نقص الرقائق إلى المستهلكين، إذ ارتفعت أسعار أجهزة الكمبيوتر المحمولة والإلكترونيات الاستهلاكية بعد سنوات من التراجع. وأعلنت شركات «أبل» و«سامسونغ» و«ديل» وغيرها زيادات في أسعار منتجات من أجهزة «آيباد» إلى أجهزة الكمبيوتر المحمولة، بينما ترفع «مايكروسوفت» أسعار أجهزة «إكس بوكس»، وذلك وسط التوقعات بأن يستمر نقص رقائق الذاكرة عامين آخرين، وأن ترتفع تكلفة البرمجيات مع دمج الشركات الذكاء الاصطناعي في منتجاتها.

وفي المقابل، تظهر مؤشرات على أن الذكاء الاصطناعي بدأ يعزز إنتاجية بعض العمال. فقد أظهر استطلاع أجراه مكتب الإحصاء الأميركي في مارس أن أكثر قليلًا من نصف العاملين استخدموا الذكاء الاصطناعي في واحدة على الأقل من 11 مهمة يومية، وقال نحو واحد من كل ثلاثة منهم إنه وفر لهم ساعة أو ساعتين من العمل. لكن ظهور آثار الأدوات الجديدة على الإنتاجية والكفاءة قد يستغرق سنوات أو عقوداً؛ فإضافة أداة جديدة إلى أساليب العمل القديمة لا تحقق سوى مكاسب محدودة، بينما يحدث التقدم الحقيقي عندما تغير الشركات طريقة أداء أعمالها اليومية.
ويزيد ذلك من صعوبة مهمة محافظي البنوك المركزية، فمن غير الواضح إلى متى ستستمر طفرة الذكاء الاصطناعي والتضخم الناتج عنها، أو متى ستبدأ المرحلة التي يعزز فيها الإنتاج ويخفض التكاليف. وخلص بنك التسويات الدولية إلى أن تحريك الذكاء الاصطناعي للطلب والعرض في الوقت نفسه «يطمس الإشارات الدورية التي تعتمد عليها البنوك المركزية».

ويرى الخبراء أن الحرب مع إيران والرسوم الجمركية تبطئ النمو، ما يدعو إلى خفض أسعار الفائدة، لكنها ترفع الأسعار أيضاً، ما يدعو إلى رفع أسعار الفائدة. ويزيد الذكاء الاصطناعي الموقف تعقيداً؛ فهو «يسبب تضخماً بوضوح» في الوقت الحالي، لكن تأثيره قد يتحول سريعاً إلى خفض التضخم، ما يضيف مزيداً من الارتباك إلى قرارات السياسة النقدية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»
صحفي أميركي متخصص في مجال الاقتصاد والسياسة الدولية والتكنولوجيا. 



إقرأ المزيد