جريدة الإتحاد - 8/16/2026 11:18:11 PM - GMT (+4 )
لكل فكرٍ أصلٌ يستند ويرجع إليه، ويبني عليه نتائجه وخلاصاته، و«الأسانيد» في الثقافة الإسلامية ترجع إلى علوم الحديث، وهي علومٌ اختصت بها الأمة الإسلامية في تقريرها لمرجعية السنة النبوية مع القرآن الكريم، وهي علومٌ متعددةٌ تُشكّل منظومةً علميةً دقيقةً لا يعرف لها مثيلٌ عند بقية الأمم تاريخياً، ومنها علم الإسناد أي علم الرواية التي تبتدئ بالمتأخر وتنتهي عند المتقدم، فهو علمٌ يسير القهقرى للرواية والتوثيق، ابتداء من المؤلف كالبخاري ونحوه وانتهاء بالرسول الكريم، وعلم المتن مقارنةً ونقداً، وعلم المصطلح، وعلم الرجال، وعلم العلل المبهر للمتخصص، وغيرها من العلوم التي تشكل منظومة علمية تحتوي على الكثير من أدوات الرصد والمقارنة، والعلم والتحقيق.
التكفير ظاهرةٌ حديثةٌ لا يجادل فيها أحدٌ، و«ظاهرة التكفير» ظاهرة مريرةٌ عرفتها الأديان والثقافات منذ القدم، وشهدت توسعاً في التاريخ الإسلامي القديم بين الطوائف والمذاهب والمدارس السلوكية، وقد شهدت نقلةً توسعيةً في القرون الثلاثة الأخيرة، وبالأخص بعد انتشار مدرسة جمال الدين الأفغاني ومعاصريه ومن تلاهم من رموزٍ مثل أبي الأعلى المودودي ووصلت لمؤسس جماعة «الإخوان» حسن البنا، ولحقه عليها سيد قطب وأخوه محمد قطب، وصولاً للتكفير المعاصر.
بدأ الاضطراب الإسلاموي في تناول روّاد النهضة العربية ينتشر بعد كتابات محمد عمارة وأنور الجندي، اللذين كانا يمجّدان رواد النهضة العربية، وقد خلفهما من عارضهما من رموز الإسلام السياسي من أتباع مدرسة سيد قطب وأخيه محمد، وتناولهما كثيرٌ من متشددي الإسلام السياسي بالتكفير أو الاتهام بالعلمانية أو التغريب.
كَتَبَ كثيرٌ من أتباع الإسلام السياسي لاحقاً، كتباً وأبحاثاً ومقالاتٍ، تتهم روّاد النهضة العربية وتلاميذهم بأشنع التهم، وتطاولوا عليهم أبشع تطاولٍ، بعدما خلا لهم الجوّ في زمن الصحوة فأصفروا ونقروا ما شاءوا أن ينقروا.
فكتب المصري جمال سلطان في عدد من كتيباته تهجماً على أولئك الروّاد في كتابه «جذور الانحراف في الفكر الإسلامي الحديث»، وكتب مثله وأكثر ناصر العقل في كتابه «الاتجاهات العقلانية الحديثة»، فقد اتهم جمال سلطان الطهطاوي بأنه يعاني من «الفصام الحضاري» ويرد أيضاً على محمد عمارة بالقول: «هذا الفصام الحضاري هو ما ولّد سوء فهم وتقدير عند دارسي رفاعة الطهطاوي، فبعضهم اتهمه بضعف الدين، وآخرون وصفوه بتجاوز رجعية الدين إلى عقلانية العصر، مثلما فعل محمد عمارة في مقدمته لأعمال رفاعة الطهطاوي»، وقد اتبع نفس النهج في تناول بقية الروّاد.
وجمال سلطان هو أحد كتاب الإسلام السياسي المنتمين لمنهج «السرورية»، وكانت له صولاتٌ وجولاتٌ في مرحلةٍ سابقةٍ، وهو أحد رموز «خطاب الهراء» الصحوي، وكذلك صنع ناصر العقل من بعده، وزاد عليه بالحديث عن رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي بأن «كلاهما ذهب إلى الغرب وهو عريٌ من العقيدة السليمة، وكل منهما درس في فرنسا في وقتٍ متقارب... فجاء كل منهما بهذه النفسية المنهزمة والعقلية الغربية فأخذ ينادي بشعاراتٍ غربيةٍ دون بصيرةٍ».
هذا الاتجاه نحو تكفير روّاد النهضة العربية بدأ قبل هؤلاء جميعاً مع خطاب محمود شاكر العالم المعروف ضد خصومه، ومع الخطابات القاسية ضد طه حسين وضد قاسم أمين وضد علي عبدالرازق وغيرهم كثيرٌ.
ولحق ذلك تنظيرات سيد قطب وصراعاته مع الأدباء ثم مع روّاد النهضة ومع الدولة التي أوصلته ليكون صاحب أخطر خطابٍ تكفيريٍ تبنّته جماعة «الإخوان» فصار عالمياً، ومن بعده أخيه محمد قطب الأقل منه إبداعاً وتنظيماً ذهنياً، ولكن الأكثر منه تطرّفاً وتفنناً في الهذر.
أخيراً، فمن بعد هؤلاء جاء تلاميذ سيد قطب في تنظيمات السبعينيات مثل محمد عبدالسلام فرج وأيمن الظواهري، وكذلك صالح سرية، ومثله مصطفى شكري ومن تبعهم، وهم كثيرٌ.
*كاتب سعودي
إقرأ المزيد


