جريدة الإتحاد - 8/16/2026 11:31:30 PM - GMT (+4 )
لا يمكن قراءة الحرب التي يواصل النظام الإيراني إشعالها بوصفها مواجهة عسكرية عابرة، أو باعتبارها دفاعاً مشروعاً عن المصالح الوطنية. فالمشهد يكشف، في جوهره، نظاماً يوظِّف التصعيد للهروب من أزماته، ويحوّل الصواريخ والطائرات المُسيّرة وتهديد حركة الملاحة إلى أدوات لإطالة بقائه السياسي، فيما يدفع الداخل الإيراني ثمناً باهظاً لهذه المغامرة المفتوحة، فالحرب التي يُصرّ النظام الإيراني على مواصلتها لا تكشف عن مشروع للدفاع، بل عن سلطة تَستخدِم التصعيد لتعويض فشلها.
فمنذ اندلاع المواجهة، لم يُقدِّم النظام الإيراني هدفاً سياسياً واضحاً يمكن أن تنتهي عنده الحرب. فاستمرار الهجمات، وتبادل الضربات، لا يعنيان امتلاك استراتيجية متماسكة. والحرب تحتاج إلى غايةٍ محدَّدةٍ، وحدودٍ معروفةٍ، ومسارٍ واضحٍ للخروج، أما ما تفعله طهران، فهو إبقاء المنطقة في حالة توتّرٍ دائمٍ، من دون أن تملك تصوّراً مقنِعاً لما سيأتي بعد ذلك.
وتكشف التطورات الأخيرة أن النظام الإيراني لا يُدير الحرب وفق أهداف سياسية واضحة، بل يستخدمها لإدامة الأزمة، وتأجيل استحقاقاته الداخلية. فبعد تعثُّر المفاوضات، ورفض طهران اعتبار مذكرة التفاهم وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار، واصلت إيران استخدام مضيق هرمز أداةً للضغط، رغم تراجع حركة الملاحة إلى مستويات غير مسبوقة. ولا تعكس هذه السياسة قدرةً على فرض تسوية، بل تكشف عزلة سياسية متزايدة، واعتماداً على التهديد العسكري لتعويض غياب الإنجاز السياسي.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بشأن فرض ضغوطٍ اقتصاديةٍ قاسيةٍ، والتعامل مع مضيق هرمز، لتؤكّد أن الحرب لم تَعُد محصورةً في الجبهة العسكرية. فقد امتدّت المواجهة إلى الاقتصاد والطاقة والموانئ وحركة السفن، وأصبح النظام الإيراني أمام ضغوطٍ متزامنةٍ يصعب فصل بعضها عن بعض. فتهديد المضيق لا يُربِك حركة التجارة فحسب، بل يَضرّ أيضاً بإيران نفسها، ويزيد عزلتها، ويكشف تضاؤل خياراتها كلّما طال الصراع.
ولا يمكن فصل استمرار الحرب عن طبيعة النظام الإيراني، الذي يُصرّ على تقديم التصعيد الخارجي باعتباره وسيلةً لحماية الدولة، فيما يستخدمه عمليًّا لتغطية إخفاقاته في الداخل، فإيران لا تواجه حرباً فحسب، بل تواجه نتائج مباشرة لسياسة رسمية جعلت الإنفاق العسكري والتدخلات الإقليمية أولويةً على حساب الاقتصاد والمجتمع. وقد انعكس ذلك في انكماش اقتصادها بنسبة 2.7% خلال السنة المالية 2025-2026، وارتفاع التضخم إلى 62%، وتجاوزه 101% في محافظة «هرمزغان»، إلى جانب فقدان أكثر من مليون شخص وظائفَهم، وتأثُّر نحو مليونَي شخص بالبطالة بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ومع توقّع انكماش إضافي بنسبة 5.4% خلال عام 2026، واقتراب التضخم من 69%، يصبح واضحاً أن الحرب لا تحمي إيران من أزماتها، بل تُعمّقها. فالنظام الذي يواصل التصعيد، رغم هذه المؤشرات، لا يدير أزمةً مؤقّتةً، وإنّما يراكم كلفةً اقتصاديةً واجتماعيةً قد تعجز مؤسّسات الدولة عن احتوائها، ويطلب من المجتمع تحمُّل نتائج سياسة لم تعَُد تقدِّم له سوى مزيد من الفقر والعزلة وعدم الاستقرار.
ويتّضح أن استمرار الحرب لا يحلّ أزمات النظام الإيراني، بل يزيدها تعقيداً. فالتصعيدُ أضعفَ الاقتصاد، ورفع كلفة الحياة على الشعب الإيراني، ووسّع عزلة إيران، من دون أن يحقّق هدفاً سياسياً واضحاً. ومع مرور الوقت، أصبح النظام مطالَباً بتبرير حرب طويلة أمام شعب يواجه التضخم والبطالة وتراجُع الخدمات. وقد تستطيع طهران تأجيل المواجهة أو تمديدها، لكنّها لن تستطيع إخفاء نتائجها إلى الأبد. فالصواريخ لا تبني اقتصاداً، والتهديدات لا توفّر مستقبلاً، والحرب لا يمكن أن تكون بديلاً عن معالجة أزمات الدولة الإيرانية. وكلّما واصل النظام الإيراني التصعيد، أصبح واضحاً أن المعركة لم تَعُد بينه وبين خصومه فقط، بل باتت أيضاً بينه وبين مجتمع يدفع ثمن قراراته.
*باحث رئيسي - رئيس قطاع دراسات التطرف والإرهاب- مركز تريندز للبحوث والاستشارات.
إقرأ المزيد


