جريدة الإتحاد - 8/19/2026 10:50:23 PM - GMT (+4 )
بعد ما يقارب ستة أشهر على اندلاع الحرب الأميركية–الإيرانية في 28 فبراير الماضي، لم يعد السؤال: متى تنتهي الحرب؟ بل أصبح: ماذا لو لم تنتهِ، وتحولت إلى حالة دائمة تعيشها المنطقة بين حرب لا تُحسم وسلام لا يأتي؟
تراجعت الضربات الواسعة بعد وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه باكستان، ثم جاءت مذكرة 17 يونيو لتمنح الطرفين ستين يوماً للوصول إلى تسوية. لكن المهلة انتهت في 17 أغسطس من دون اتفاق، فيما أكدت واشنطن في اليوم التالي عدم وجود مفاوضات جارية أو مجدولة، مع استمرار الحصار البحري. لم تعد المشكلة في فشل جولة تفاوضية، بل في عجز الطرفين عن الانتقال من إدارة المواجهة إلى بناء التسوية.
وخلال هذه الأشهر تغيّر مركز الحرب. بدأت بضرب القدرات العسكرية داخل إيران، ثم انتقلت إلى الصراع على مضيق هرمز. أدركت طهران أن قدرتها على مجاراة التفوق الأميركي محدودة، لكنها وجدت في المضيق وسيلة لنقل كلفة الحرب إلى العالم. ومن هنا لم تعد القضية رسوماً وصلت في بعض الحالات إلى نحو مليوني دولار للناقلة، بل محاولة فرض إدارة وسيادة أمر واقع على ممر دولي كانت الملاحة فيه مفتوحة للجميع.
في المقابل، تعلن واشنطن أنها تسيطر على المضيق، وأنه مفتوح وآمن، لكن في 18 أغسطس لم تعبره سوى ست سفن تجارية، مقابل أكثر من 130 سفينة يومياً قبل الحرب. وبين إعلان أميركي عن السيطرة وإصرار إيراني على الإغلاق، يقول الواقع، إن القوة العسكرية الهائلة لم تنجح في إعادة الملاحة إلى وضعها الطبيعي.
أما دول الخليج، فقد اكتشفت أن الحياد السياسي لا يمنع وصول الصواريخ والمسيّرات. لم تشارك في قرار الحرب، لكنها وجدت منشآتها وموانئها وسفنها داخل دائرة النار. فقدت قطر 17% من طاقتها التصديرية للغاز المسال لمدة قد تمتد إلى خمس سنوات، واستُهدفت منشآت وموانئ في السعودية والكويت والإمارات والبحرين، كما تعرضت سبع سفن إماراتية للهجوم خلال أغسطس وحده.
استطاعت السعودية تخفيف الضغط برفع صادراتها عبر ينبع إلى قرابة أربعة ملايين برميل يومياً، وارتفعت تدفقات النفط عبر باب المندب من 5.4 إلى 8.1 مليون برميل يومياً. كما وفر ميناء الفجيرة للإمارات منفذاً خارج هرمز. لكن هذه البدائل لا تلغي الخطر، بل تنقله إلى البحر الأحمر وباب المندب، حيث يوجد تهديد آخر. نحن لا نخرج من عنق الزجاجة، بل ننتقل من واحد إلى آخر.
واللافت أن إيران، رغم ما كسبته من قدرة على تعطيل الملاحة، تدفع هي الأخرى ثمناً متزايداً. فالحصار الأميركي قيّد صادراتها ووارداتها، وانخفضت شحناتها النفطية إلى الصين في يوليو إلى أدنى مستوى منذ يناير 2023. وهذا يعني أن ورقة هرمز ليست سلاحاً مجانياً، فكلما طال إغلاق المضيق ازدادت قدرة إيران على إرباك خصومها، لكنها عمّقت في الوقت نفسه أزمتها الاقتصادية.
أما الصين، فقد خفضت وارداتها النفطية حتى يونيو بأكثر من 40% مقارنة بالعام السابق، واستخدمت المخزونات وخفضت التكرير لتخفيف أثر الصدمة. ولهذا لم تنفجر الأسعار بالحجم المتوقع، رغم اقتراب برنت من 92 دولاراً في 19 أغسطس. لكن المخزونات تؤجل الصدمة ولا تلغيها.
وما يجعل هذا التجمّد هشاً أن التهدئة تقوم على قنوات ضيقة. فالتهديد الأميركي بقصف عُمان، وهي الوسيط الفاعل وشريكة إيران في مياه المضيق، يكشف أن سوء تقديرٍ واحداً قد يشعل جولة ثانية من دون قرار سياسي مسبق. يضاف إلى ذلك ضيق مركز القرار في طهران، حيث يبدو أي تنازل هزيمة لا تسوية.
الأرجح أن المنطقة لا تتجه قريباً إلى حرب شاملة ولا إلى سلام نهائي، بل إلى تجمّد طويل تتخلله ضربات محدودة ومفاوضات غير مباشرة ومضيق يعمل بأقل من طاقته. وهو السيناريو الأقل كلفة سياسية على واشنطن وطهران، لكنه الأعلى كلفة على دول الخليج.
لقد أثبتت الأزمة أن أمن الخليج لا يمكن أن يبقى نتيجة لاتفاق بين واشنطن وطهران. والتفاهم مع إيران يظل ضرورياً، لكن نجاحه يحتاج إلى ردع خليجي متكامل يمنع فرض الأمر الواقع ويفتح باب الحوار من موقع القوة. فهل تتحول هذه الصدمة إلى بداية ترتيب أمني خليجي جديد، أم تصبح الأزمة نفسها هي النظام الذي اعتادت المنطقة العيش داخله؟
*لواء ركن طيار متقاعد.
إقرأ المزيد


