جريدة الإتحاد - 8/20/2026 12:02:02 AM - GMT (+4 )
يشكل تبني الصين للذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر منافسةً قويةً لوادي السيليكون، كما أصبح مصدراً رئيسياً لنفوذ بكين بجذب المطورين الدوليين، وأصبح ركيزة في طرح القيادة الصينية للتعاون مع دول الجنوب العالمي والتأثير في مسار الثورة التكنولوجية المقبلة.
لكن مع تطور قدرات النماذج المفتوحة، تسعى بكين إلى الحفاظ على مزايا الشفافية من دون أن تتحول هذه المزايا إلى نقاط ضعف.
ولا تستطيع الحكوماتُ غضَّ الطرف عن تلك المخاطر، فأي إخفاق خطير في سلامة الذكاء الاصطناعي قد يتجاوز الحدودَ بسهولة، مما يعني أن المختبرات الكبرى، من هانغتشو إلى سان فرانسيسكو، تمتلك الحافزَ للاستباق ومواجهة تلك المخاطر قبل وقوع كارثة قد تُبطئ تطوير الذكاء الاصطناعي عالمياً، مثلما دفعت كارثة فوكوشيما في اليابان ألمانيا إلى التراجع عن الطاقة النووية.
وتتردد ذريعةٌ، لاسيما داخل شركات النماذج المغلقة الكبرى، بأن الأنظمة المفتوحة أقل أماناً بطبيعتها، لأن نشر أوزان النموذج يُفقد المطورين السيطرةَ على كيفية استخدامه. لكن كثيراً من حالات إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي البارزة وقعت باستخدام نماذج مغلقة ذات آليات حماية معطلة. وقد يكون ذلك لأنها لا تزال أفضل أداءً، أو لأن إساءةَ استخدامها أسهل من توفير المعدات والخبرة اللازمة لتشغيل البدائل المفتوحة. لذا، لا يمكن اختزال سلامة الذكاء الاصطناعي في المفاضلة بين النماذج المفتوحة والمغلقة.
ويحجب هذا التبسيط الثنائي أيضاً تفاصيل دقيقة هامة، لا سيما فيما يتعلق بأحد أخطر التهديدات المباشرة، وهو الأمن السيبراني. فالأنظمة المفتوحة يمكن أن تعزز الدفاعات ضد المهاجمين المدعومين بالذكاء الاصطناعي. وعندما اخترق وكيل تابع لشركة «أوبن إيه آي» منصةَ «هاغينغ فيس»، خلال أحد الاختبارات، استخدمت المنصةُ نموذجاً مفتوحاً من شركة «زيبو» الصينية في استجابتها الدفاعية. وجادل كليمنت ديلانغ، الشريك المؤسس لـ«هاغينغ فيس»، بأن الذكاء الاصطناعي سيجعل العالَم أكثر أماناً، داعياً إلى تزويد المدافعين بأفضل الأدوات، لاسيما النماذج المفتوحة، مع فرض عقوبات أكثر جدية على الهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وإلزام الشركات بالإبلاغ عن الحوادث وتبادل تفاصيلها.
وأعلنت شركة «زيبو» عن نموذج «جي إل إم-5.3»، الذي وصفته بأنه أقوى نماذجها لمهام الأمن السيبراني. ورغم دفاعها عن الذكاء الاصطناعي المفتوح، فإنها ستتيح النموذج تدريجياً بعد إخضاعه لتقييمات صارمة للسلامة. وهذا لا يعني أنها تخلت عن التطوير المفتوح، فهي تصفه بأنه «درع مفتوح» قد يساعد المدافعين على اكتشاف نقاط الضعف مبكراً والتحقق من المخاطر وتسريع معالجتها. كم أنها تتخذ احتياطات منطقية، لكن شركةً مفردها لا تستطيع حلَّ المشكلة.
كما أن حظر الوصول إلى النماذج المفتوحة ليس كافياً، فهو سيضر بالمطورين الأميركيين، ولن يقضي على التهديد، وقد تدفع إساءة الاستخدام إلى العمل في الخفاء، والحد من انتشار أدوات الدفاع، فضلًا عن تركيز القوة في أيدي عدد قليل من المختبرات الكبرى.
ومن المفاهيم الخاطئة الشائعة أن النماذج المفتوحة تتيح لأي شخص تشغيلَ ذكاء اصطناعي قوي. فأكثر النماذج تقدماً تتطلب قدرات حوسبة هائلة، ما يدفع الكثير من المستخدمين إلى مزودي الحوسبة السحابية والاستضافة. لذا، ينبغي لواضعي السياسات التعاونَ مع هذه الخدمات لرصد الأنشطة المشبوهة والإبلاغ عن الانتهاكات المحتملة.
وتفيد تقاريرٌ بأن واشنطن تستبعد النماذج المفتوحة من إطار إدارة ترامب لمراجعة أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة قبل طرحها. والواقع أن صعوبةَ السيطرة على الأنظمة المفتوحة تجعل اختبارَها وفهمَ مخاطرها أكثرَ أهميةً. ولا تعتبر صعوبة مراقبة إساءة استخدامها مبرراً لتجاهل قدراتها.
ويشكل الأمن السيبراني التهديدَ الأكثر إلحاحاً. وحتى إذا لم يتفق المشرعون على تنظيم أوسع للذكاء الاصطناعي، فعليهم التركيز على تعزيز الدفاعات والتعامل مع الأمن السيبراني باعتباره بنية تحتية حيوية. ويتطلب ذلك تبادلَ المعلومات، وتوحيدَ أفضل الممارسات، وإنشاء منظومة استعداد مركزية شبيهة بالاستعداد الحكومي للكوارث الطبيعية.
وفي الوقت نفسه، هناك حاجة ماسة إلى تمويل ودعم أكبر من الحكومة والقطاع الصناعي لأبحاث وسائل الحماية التقنية وسلامة الذكاء الاصطناعي. وتشيرُ بعض الدراسات إلى أن إزالة المعلومات الخطرة، مثل تلك المتعلقة بالتهديدات البيولوجية، من بيانات التدريب قد تساعد في منع إساءة استخدام النماذج المفتوحة، وإن كان من غير الواضح مدى فاعلية ذلك في مواجهة مخاطر التهديدات السيبرانية. وقد حولت الطبيعة التنافسيةُ للصناعة السلامةَ والأمنَ إلى أمر ثانوي، وهو وضع لا يمكن أن يستمر.
ومن غير المرجح تحقيق تعاون كامل بين الولايات المتحدة والصين، لكن غياب المعلومات حول الاختبارات أو آليات الحماية سيدفع البلدين إلى افتراض الأسوأ. وقد تكون القمة المرتقبة الأميركية الصينية المرتقبة الشهر المقبل بداية جيدة، بشرط التعامل مع فجوات سلامة الذكاء الاصطناعي باعتبارها تهديداً مشتركاً، لا ورقةَ مساومة لتحقيق مكاسب أخرى.
وإذا اختزلنا تلك المخاطر في مجرد نقاش حول التنافس بين المختبرات التي تطور نماذج مفتوحة وتلك التي تطور نماذج مغلقة، أو اعتبرنا عدم التحرك ثمناً لا مفر منه للسباق العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي، فسوف يخسر الجميع.
*كاتبة متخصصة في شؤون التكنولوجيا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


