ثلاثية الردع والدبلوماسية والقانون الدولي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

جاء الاستهداف الإيراني لناقلات «أدنوك» امتداداً للاعتداءات التي تعرضت لها دولة الإمارات، من دون أن يغير ذلك ثوابتَ موقفها. وقد حدد معالي الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، التعاملَ مع الأزمة وفْق ثلاثة مسارات متوازية، الردع والدبلوماسية والالتزام بالقانون الدولي. وهي مقاربة إماراتية تعكس سياسة دولة تتمسك بالتهدئة والحوار، وفي الوقت نفسه تحمي سيادتَها ومصالحَها وترفض فرضَ الأمر الواقع بالقوة. والردع ضرورة، فالدبلوماسية تكون فاعلة عندما تستند إلى قدرة تحمي الأمنَ الوطني. وتدرك الإماراتُ، وهي الأكثر تضرراً خليجياً من الاعتداءات الإيرانية على أراضيها وسيادتها ومنشآتها وسفنها، أن ضبط النفس لا يلغي حق الدفاع، كما أن تجنب التصعيد لا يعني القبول باستمراره. وتزداد أهمية هذه المعادلة مع توسع أدوات طهران، والحديث عن عقيدة أكثر هجومية وتعزيز قدرات الصواريخ والمسيّرات وشبكات الحرس الثوري في المنطقة.
ويواجه المسار الدبلوماسي تعقيدات بعد انقضاء فترة الستين يوماً من دون اتفاق نهائي، فيما يرفض النظام الإيراني اعتبارَها مهلةً ملزمةً للتوصل إلى تسوية، ويرفع الرئيسُ دونالد ترامب سقفَ خطابه مطالباً إيران بالاستسلام. وجاءت زيارةُ السلطان هيثم بن طارق إلى أبوظبي، بينما تواصل عُمان وقطر وباكستان أدوارَ الوساطة. ويصبح التنسيق الإماراتي العُماني أكثر أهميةً مع تعقيدات هرمز، على أن يبقى وقف استهداف السفن وضمان حرية الملاحة خارج منطق المقايضة، فلا تتحوّل العودةُ إلى الوضع الطبيعي في المضيق إلى ورقة تَحصل طهرانُ مقابلها على مكاسب سياسية.
وتكشف المواقفُ الإيرانية حجمَ الخلاف حول هرمز، خصوصاً التصريحات التي تتحدث عن «إيرانية هرمز» وانفراد طهران بفتحه وإغلاقه، بما يتجاوز الخلافَ التفاوضي إلى محاولة فرض تفسير أحادي لوضع ممر دولي حيوي. كما أن ما يُتداول حول مسارات بديلة بمحاذاة مسندم يعكس البحثَ عن خيارات تقلل مخاطرَ التعطيل. ويضع الموقفُ الإماراتي القانونَ الدولي أساساً للتعامل مع هذه القضية، فحرية الملاحة لا تخضع لموازين القوة، والقدرة على تعطيل المضيق لا تمنح صاحبَها حقَّ التحكم فيه.
ورغم اضطراب الملاحة في هرمز، استطاعت الإماراتُ ودولُ المنطقة الحفاظَ على استمرارية الأعمال وتدفقات الطاقة، وساعدت خطوطُ الأنابيب والموانئ والمسارات البديلة على الحد من أثر الأزمة في الأسواق العالمية. غير أن استمرار الإمدادات لا يعني عودة الوضع إلى طبيعته، فالهجمات والمخاطر ما زالت قائمة. ويضاف إلى ذلك التصعيد الإيراني مع قطر بشأن الطيارين الإيرانيين، ومع الكويت بشأن عناصر الحرس الثوري المقبوض عليهم، بعد أشهر من الحادثتين. وإعادة فتح الملفات الآن تثير تساؤلاتٍ حول محاولة تحويل تداعيات الحرب إلى أوراق ضغط تفاوضية.وتبدو واشنطن أقرب إلى إطالة الضغط الاقتصادي بعدما لم تحقق القوةُ العسكريةُ تسويةً سياسية. فالعقوبات والحصار والضغط على صادرات النفط ومصادر التمويل قد ترفع الكلفةَ على إيران، فيما يصر ترامب على أنه ليس في عجلة من أمره لإنهاء الصراع، وأن حساباته لا ترتبط بانتخابات التجديد النصفي الأميركية. وطهران تراهن على الوقت وورقة هرمز، فيما ستحدد قدرةُ الطرفين على تحمل كلفة المواجهة مساحةَ التنازلات الممكنة في المرحلة المقبلة.
ويؤثر تعزيز نفوذ الحرس الثوري داخل النظام الإيراني في فرص الحل السياسي، مع إعادة بناء القدرات العسكرية وتكثيف النشاط المرتبط بالحرس في العراق واليمن خلال فترة التفاوض. ولجوء واشنطن إلى قناة خلفية للتواصل مع قيادة الحرس يؤكد أنها تبحث عن مركز القرار القادر على الالتزام، فيما تكشف هذه المعطيات أن المفاوضات لم توقف استعدادات طهران لجولات جديدة.
الثلاثية الإماراتية تجمع بين الردع لحماية السيادة، والدبلوماسية لإبقاء فرص الحل قائمة، والالتزام بالقانون الدولي لصون الحقوق وحرية الملاحة. وإلى جانب ذلك فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى موقف خليجي أكثر تنسيقاً، لا سيما أن أيَّ تفاهم بين واشنطن وطهران ستكون له نتائج على أمن منطقة الخليج. ومن المهم أن تكون دول الخليج العربية حاضرةً في صياغة ترتيبات المرحلة المقبلة، فالدولُ المعنيةُ مباشرةً بأمن المنطقة يجب أن تكون شريكاً في تحديد مستقبلها.


*كاتب إماراتي



إقرأ المزيد