الميزانية الدفاعية الأميركية الأضخم
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

بصفتي من صقور الدفاع، لطالما كنتُ مؤيداً لزيادة الإنفاق العسكري، حتى عندما بلغت ميزانية الدفاع تريليون دولار العام الحالي. لكني أشعر بصدمة حقيقية من طلب إدارة ترامب مبلغ 1.5 تريليون دولار للعام المقبل. وبحساب التضخم، ستؤدي تلك الزيادة بنسبة 50% إلى أكبر ميزانية دفاعية على الإطلاق، متجاوزةً حتى ذروة الإنفاق خلال الحرب العالمية الثانية.
ويأتي هذا في وقت يبلغ فيه عجز الميزانية الفيدرالية 1.8 تريليون دولار، ويقارب الدَّينُ الفيدرالي 40 تريليون دولار. وإذا استمر الوضع الحالي، سيتجاوز الدين العام، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2030، الرقمَ القياسي المسجل عام 1946. ورغم أن الإنفاق الدفاعي يمثّل 13% من الإنفاق الفيدرالي، فإن المقترح يعني مبلغاً هائلاً يبلغ 500 مليار دولار إضافية.
ولهذا توجد أسباب وجيهة لعدم استعجال الكونغرس في إقرار الميزانية. فقد أقرّ مجلس النواب، بهامش ضئيل، ميزانيةَ دفاع بقيمة 1.15 تريليون دولار، إضافةً إلى 73 مليار دولار لتمويل الحرب مع إيران. وتريد الإدارةُ 350 مليار دولار أخرى عبر مشروع قانون للمصالحة المالية، لكن يبدو أنه لن يمر في مجلس الشيوخ. ومع ضيق الوقت، قد تبدأ القوات المسلحة السنة المالية الجديدة في أول أكتوبر بموجب «قرار استمرار» يوفر 838 مليار دولار فقط.
 وإذا أراد وزير الدفاع بيت هيغسيث دعماً من الحزبين، فعليه إطلاع «الديمقراطيين» في مجلس الشيوخ على خططه ومعالجة مخاوف المشرّعين بشأن إقالاته لضباط برتب جنرال، والهجمات على قوارب يُشتبه في استخدامها لتهريب المخدرات، وتدهور أوضاع حاملة طائرات في الشرق الأوسط، والحرب غير المحسومة مع إيران.
ولا أحد ينكر الحاجةَ إلى إعادة تكوين مخزونات الصواريخ التي استُنزفت خلال الصراع مع إيران. لكن استهلاك هذا الجزء الكبير من الترسانة بهذه السرعة يكشف سنوات من سوء تخصيص أموال الدفاع، سبقت عهد ترامب بوقت طويل. وكان يفترض أن يضمن إنفاقُ تريليون دولار امتلاكَ ما يكفي من الصواريخ لمواجهة الخصوم، لكن اتضح أنه لا يكفي حتى لمواجهة إيران. كما كشفت الحرب عدم استعداد الجيش بما يكفي لمواجهة طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة، وألحقت أضراراً جسيمةً بالمنشآت العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط.
صحيح أن الميزانيةَ الجديدةَ تُخصِّص أموالا أكبر للمسيّرات ووسائل الدفاع ضدها، لكنها تتضمن أيضاً مشروعاتٍ ضخمةً غير مجدية اقتصادياً. وقدّر مكتبُ الميزانية في الكونغرس أن السفنَ الحربيةَ الـ15 العاملة بالطاقة النووية التي يريد ترامب بناءَها ضمن «الأسطول الذهبي» ستكلف 50% أكثر على الأقل من التقديرات الأولية. وتبلغ التكلفة الإجمالية 275 مليار دولار، بينما ستكلف أول سفينة من «فئة ترامب» 23.4 مليار دولار، لتصبح أغلى سفينة حربية على الإطلاق. وبالمقارنة، تبدو حاملة الطائرات الجديدة، البالغة تكلفتها 13 مليار دولار، صفقة رابحة.
وقد يتحول «الأسطول الذهبي» إلى هدف للطائرات المسيّرة والصواريخ الصينية، كما أنه يعتمد على تقنيات، مثل أسلحة الليزر والمدافع الكهرومغناطيسية، غير الجاهزة للاستخدام. وقد تُلغي إدارةٌ مستقبليةٌ المشروعَ، لكن بعد إنفاق مليارات على البحث والتطوير.
أما نظام «القبة الذهبية» للدفاع الصاروخي، فقدَّر مكتبُ الميزانية في الكونغرس تكلفتَه بنحو 1.2 تريليون دولار، أي ما يزيد بنحو سبعة أضعاف تقدير الإدارة البالغ 175 مليار دولار العام الماضي. ومن غير المرجّح أن يحقق هدفَه في حماية البلاد بأكملها من الصواريخ والمسيرات.
وهناك أيضاً ملياراتٌ إضافيةٌ لإعادة تصميم حاملات الطائرات المستقبلية لاستخدام منجنيقات بخارية، بسبب رفض ترامب للمنجنيقات الكهرومغناطيسية، إلى جانب نقل برج القيادة من المؤخرة إلى المنتصف بناءً على طلبه لأسباب جمالية.
وربما يوجد مبرر لميزانية دفاع بقيمة 1.5 تريليون دولار، لكن هيغسيث لم يقدمها بصورة مقنعة. بل ذكرت «واشنطن بوست» أن ضباطاً عسكريين كانوا يحاولون معرفة كيفية إنفاق 500 مليار دولار إضافية. ويبدو أن هيغسيث اختار رقم 1.5 تريليون دولار اعتباطياً، بدلًا من تحديد احتياجات الجيش أولاً ثم بناء الميزانية على أساسها.
 ولم يقدّم ترامب خطاباً مفصلاً يبرّر الميزانيةَ، واكتفى بالقول إن الإنفاق الإضافي سيبني جيشاً مثالياً.. لكن بأي تكلفة؟
وقد حذّر الرئيس «الجمهوري» دوايت أيزنهاور من هذا المنطق في خطاب الوداع عام 1961، مؤكداً ضرورةَ توفير دفاع الأمة اليوم دون «هدر.. الموارد الثمينة للغد»، ومحذراً من مخاطر «المجمع الصناعي العسكري» غير الخاضع للرقابة. 

 

*زميل بارز في مجلس العلاقات الخارجية
 ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد