نحو فلسفة عربية جديدة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

بلغنا في ختام الحديث السابق صورةً نتطلّع إليها ونشتاق إلى ملامحها: أيُّ فلسفة عربية جديدة نرجو أن تُثمرها شروط الإحياء؟ وبعد رحلة في تشخيص الحاجة ورسم الطريق والشروط، نُقبل على الحلم ذاته نتأمّل قسماته. الفلسفة التي نحلم بها ثمرة وعيٍ ناضج، يجمع بين أصالة الجذور ورحابة الأفق، ويستشرف غداً يليق بقومٍ صنعوا للعالم حكمةً يوماً.
تتميّز هذه الفلسفة بأنّها أصيلة منفتحة في آنٍ واحد، تستلهم تراثها من الكِنديِّ إلى ابنِ رشد، وتحاورُ عصرها من غير انبهارٍ أو انغلاق. تصالح بين العقل والوحي من دون افتعال خصومةٍ بينهما، فترى في كليهما نوراً يهدي الإنسان. وهي فلسفة تُجاور الحضارات وتتكامل معها، تأخذُ منها أحسن ما عندها وتُهديها أفضل ما لديها، في شراكةٍ تُغني الطرفين وتحفظُ لكلٍّ خصوصيّته. بهذا الانفتاح الواثق تُسهم في الحضارة الإنسانية شريكةً فاعلة.
وتنفرد هذه الفلسفة بأنّها ابنةُ واقعِها، تنبثقُ من تربة مجتمعها وتستجيب لأسئلتِه الحيّة. تقرأُ تطوّر الواقع وطبيعة مجتمعاتِه قراءةً واعية، فتُخاطب الإنسان حيثُ هو، وتُعالج همومه كما يعيشها. وهي فلسفة تُدرك تحوّلات العصر التقنيةَ العميقة، من ثورة المعلومات إلى الذكاء الاصطناعي الذي يُعيد رسم حدود المعرفة والوجود. تُسائل هذه التحوّلات بعقلٍ نقديّ، فتستثمرُ منافعها وتحصّن الإنسان من مخاطرها، حارسةً لمعناه في زمنِ الآلة.
تقومُ هذه الفلسفة على هويّةٍ قيميّةٍ راسخة، تؤمن بالدولة الوطنية والمواطنة الفاعلة سبيلاً للعيش الكريم. تنحاز إلى العقل والتنوير والأخوة الإنسانية، وتحترمُ المعتقدات وخصوصية المجتمعات في آنٍ واحد. وتقفُ بحزمٍ في وجه التطرّف والجمود والانغلاق، فتحرس العقل من كلِّ فكرٍ يُصادر حريّته أو يُكفّرُ مخالفه. بهذا الميزان تجمعُ بين الحرية والمسؤولية، وبين الأصالة والتجديد، فتصون توازن المجتمع وتدفعُه نحو الأمام.
ترتقي وظيفة هذه الفلسفة إلى مقام الضرورة الحضارية، فهي فعل وجود يصنع المعنى ويحصّن العقل. تمنح المجتمعات بوصلةً توجّهُ نهوضها، وتُحصّن أبناءها من العدمية والخرافة معاً، وتُعيد إليهم ثقتهم بقدرتهم على الإبداع. ومن ثمارها أن تمنحَ الأوطان حضوراً في المشهد العالميّ، تُسمع فيه صوتها وتنشرُ قيمَها. الفلسفةُ على هذا النحو روح النهضة ومنارتها، تسبقُ العمران وتوجّه مسيرته.
يبقى أن نؤكّد أنَّ هذا الحلم مشروع قابل للتحقّق، متى توافرت شروطه التي رسمناها وتعاضدت. فالرؤى غايات تُبنى بالإرادة والعمل، وتتجاوز حدود الأمنية المعلّقة إلى ساحة الفعل. وكما وُلدت حضارتنا الأولى من عزيمة روّادِها، يولدُ إحياؤها من عزيمة أبنائِها اليوم. فالطريقُ إلى الحلم يبدأ بخطوة واثقة نخطوها الآن، وكلُّ جيلٍ مؤتمن على أن يحمل الشعلةَ خطوةً إلى الأمام.

وهكذا تُغلَق الدائرة التي فتحناها في أوّل الحديث قبل سبعة مقالات، فنعودُ إلى السؤال الذي منه انطلقنا: لماذا نحتاجُ الفلسفة؟ لقد قطعنا معاً رحلةً من الحاجة إلى الإرث فالشروط، لنبلغَ يقيناً أنّ الفلسفة حاجةٌ ماسّة تسمو فوق الترف، وأنّها اليوم مشروع أوطان ومجتمعات بأكملها. هي القلب الذي يضخُّ في جسد النهضة المعنى، والعين التي تُبصر بها الأمم طريقها. فلنحلم بها حلماً يليقُ بحضارتنا العربية والإسلامية، ولنعمل لها عملاً يليقُ بمستقبلِنا، حتى يزهر في ربوعنا فكرٌ عربيٌّ جديد، يُعيد الحكمة إلى موطنها، والعقل إلى عرشَه، وإلى العرب دورهم في إضاءةِ العالم.

*كاتب إماراتي



إقرأ المزيد