جريدة الإتحاد - 8/23/2026 12:00:52 AM - GMT (+4 )
تواجه أوروبا على نحو مفاجئ موجات حر قياسية وحرائق غابات وتراجعاً حاداً في مستويات المياه، في تجسيد لما حذّر منه العلماء والمدافعون عن الطاقة الخضراء لسنوات، باعتباره «حالة طوارئ مناخية». لكن المناخ ليس الشيء الوحيد الذي يتغير، بل تُظهر سياسة المناخ الأوروبية أيضاً بوادر التحول نحو ما يمكن وصفه بـ«الواقعية السياسية الخضراء».
ورغم أن تصاعد الحرارة والجفاف قد يبدو سبباً للإسراع في التحول إلى الطاقة النظيفة، فإن الضغوط السياسية والاقتصادية تدفع أوروبا في الاتجاه المعاكس جزئياً. ولن تتخلى أوروبا الرائدة عالمياً عن التزامها باستبدال الوقود الكربوني والاعتماد على طاقة الرياح والشمس والطاقة النووية، لكن ارتفاع تكاليف الطاقة، وتباطؤ النمو، والضغوط السياسية الداخلية والخارجية تدفع الحكومات إلى إعادة النظر في سرعة تنفيذ هذا التحول. ويأتي ذلك في وقت ترتفع فيه حرارة أوروبا بنحو ضعف معدل ارتفاعها في القارات الأخرى.
وحتى الأهداف المناخية الأكثر طموحاً، مثل تعهد بريطانيا بتوليد كل كهربائها من مصادر متجددة بحلول عام 2030، وهدف الاتحاد الأوروبي للوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050، لن توفر حلاً فورياً لموجات الحر الحالية. ويُؤدي نقصُ الأمطار في معظم أنحاء أوروبا إلى استنزاف موارد المياه، ويُهدد باندلاع حرائق غابات جديدة، ما دفع رئيسَ الوزراء البريطاني آندي بورنهام إلى عقد اجتماع للجنة الاستجابة للطوارئ الحكومية «كوبرا»، المكلفة بالتعامل مع التهديدات الأمنية الكبرى، لمناقشة آثار موجة الحر.
كما اتخذت حكومات أوروبية أخرى تدابيرَ طارئةً، شملت تنسيق الدعم الجوي لمكافحة الحرائق، وتقييد استهلاك الطاقة، وتعديل جداول الدراسة والعمل لمواجهة آثار الحر، وحماية موارد المياه المحدودة. كما ناقشت هذه الحكومات استجابات طويلة الأمد، مما يبرز دورَ «الواقعية السياسية الخضراء». ويتمثل التحدي السياسي الداخلي الرئيسي في تصاعد شعبية الأحزاب الشعبوية اليمينية المتطرفة، التي تتفوق على الأحزاب الرئيسية المهيمنة في استطلاعات الرأي.
وعلى عكس الولايات المتحدة، لا يحظى إنكار تغير المناخ بشعبية كبيرة في أوروبا، إذ يرى أكثر من 80% من الأوروبيين أن الاحتباس الحراري مشكلة خطيرة. لكن قادة الأحزاب الشعبوية يرددون أن سياسات الطاقة الخضراء تشتت الانتباه عن مواجهة موجات الحر الحالية، وتستهلك المال العام في وقت يعانيه الاقتصاد من تباطؤ النمو وارتفاع أسعار الطاقة. وفي فرنسا، يتعهد «حزب التجمع الوطني»، تحت قيادة مارين لوبان، بتوسيع استخدام أجهزة تكييف الهواء على مستوى البلاد إذا فاز بالانتخابات الرئاسية المقبلة، رغم مخاوف الأحزاب اليسارية والخضراء من أن يؤدي ذلك إلى زيادة استهلاك الكهرباء والانبعاثات الكربونية.
وفي بريطانيا، يتركز الخلاف على مواصلة التنقيب عن رواسب الغاز المستنفذة في بحر الشمال. ويرى نايجل فاراج، زعيم حزب الإصلاح البريطاني، أن البلاد تحتاج إلى مزيد من إنتاج الغاز بدلاً من التركيز على أهداف صافي الانبعاثات الصفري. كما تعهدت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادنوك بمنع مؤيدي «صفر انبعاثات» من الترشح باسم الحزب للبرلمان، في محاولة لاستعادة الناخبين الذين انتقلوا إلى حزب الإصلاح.
وقبل موجة الحر الحالية، بدأ الاتحاد الأوروبي بتخفيف بعض أهداف خفض الانبعاثات، وتأجيل التخلص التدريجي من مركبات الغاز والديزل، في محاولة للحد من استخدام اليمين المتطرف للسياسات البيئية كقضية انتخابية. كما أدى ارتفاع أسعار النفط والغاز بسبب الحرب الأميركية ضد إيران إلى تغيير الأولويات الأوروبية. فبعدما عززت الأسعار المرتفعة الدعم للبدائل الخضراء، تحول اهتمام الحكومات سريعاً إلى تأثير الطاقة على تكاليف المعيشة.
وفي بريطانيا، ألمح رئيسُ الوزراء آندي برنهام إلى إمكانية الموافقة على ترخيصين للتنقيب في بحر الشمال، مؤكداً أنه سيتعامل مع القضية «بواقعية».
وقال وزير الطاقة إد ميليباند، إن دعم أربعة من كل خمسة بريطانيين للطاقة المتجددة لن يستمر إلا إذا أعطت الحكومة الأولوية لقدرة المواطنين على تحمل تكاليف الطاقة. ومع ذلك، يؤكد القادة الأوروبيون أن الهدف الأساسي لم يتغير: إنهاء الاعتماد على الطاقة القائمة على الكربون. لكن «الواقعية السياسية الخضراء» تعني الحفاظ على الدعم الشعبي لهذا التحول، حتى لو تطلب ذلك إبطاء وتيرته أو تعديل بعض سياساته.
وتكشف أزمة المجر عن تعقيدات التحول إلى الطاقة النظيفة، إذ إن نحو نصف الكهرباء المجرية يأتي من الطاقة النووية، التي يشجع الاتحاد الأوروبي على استخدامها إلى جانب طاقة الرياح والطاقة الشمسية. ومع ذلك، اضطرت محطة باكس النووية الشهر الحالي إلى التوقف، ليس بسبب عطل فني، وإنما بسبب نقص المياه اللازمة لتبريد المفاعل. فقد أدى انخفاض الأمطار والجفاف إلى تراجع منسوب نهر الدانوب، مصدر المياه الذي تعتمد عليه المحطة، إلى مستويات قياسية بفعل موجة الحر الشديدة.
*كاتب متخصص في الشؤون الدولية والدبلوماسية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»
إقرأ المزيد


