جريدة الإتحاد - 8/23/2026 12:01:09 AM - GMT (+4 )
على مدى يومين في أواخر يوليو الماضي، شهدت إمدادات المياه في ولايات أميركية من جورجيا إلى داكوتا الجنوبية، انقطاعاً في أنظمة التشغيل وتعطلاً في أجهزة التحكم. ووفقاً لمسؤولين على مستوى الولايات والحكومة الفيدرالية، تمكّن قراصنةٌ من اختراق عشرات مرافق المياه في أنحاء البلاد، ومن التسلل إلى أنظمة الكمبيوتر والسيطرة على معدّات تمنع الفيضانات وتلوث مياه الشرب التي يعتمد عليها مئات الآلاف من الأميركيين. وأكد مكتب التحقيقات الفيدرالي، في 30 يوليو، تعرُّضَ شركات مرافق المياه والصرف الصحي لهجمات إلكترونية في سبع ولايات، فيما تشير التحقيقاتُ الأولية، بحسب تقارير إعلامية، إلى اعتقاد مسؤولين أميركيين بأن إيران قد تكون وراء الهجمات.
ولم تكن الهجمات مفاجئةً للمتخصصين، فالبنية التحتية الحيوية الأميركية، لاسيما مرافق المياه في المناطق الريفية، لطالما كانت عُرضةً للهجمات الإلكترونية. ورغم استهداف خصوم أجانب لها من قبل، فقد تأخّرت السلطاتُ الفيدرالية وبعضُ سلطات الولايات في تزويد هذه المرافق بالموارد والتدريب اللازمين لحمايتها.
ورغم أن الهجمات أظهرت تحسناً في الدفاعات السيبرانية الأميركية، إذ وصلت التحذيراتُ سريعاً ولم تَحدث أضرارٌ جسيمة، لكنها كشفت في الوقت نفسه حجمَ الثغرات التي لا تزال قائمة، وربما تتسع. وقالت سينثيا فينلي، من الجمعية الوطنية لوكالات المياه النظيفة، إن شركات المرافق تمكنت من اكتشاف الهجوم والتحرك سريعاً، لكن هناك مخاوف إزاء وقوع هجمات أكثر تطوراً، مما يجعل مواكبةَ التهديد المتغير تحدياً مستمراً.
وقبل أربعة أيام من بدء الهجمات، حذّرت سبعُ وكالات فيدرالية من «استهداف إلكتروني مستمر مرتبط بإيران» لقطاعات البنية التحتية الحيوية الأميركية، مشيرةً إلى محاولات القراصنة الوصولَ إلى أجهزة متصلة بالإنترنت تتحكم في معدات هذه القطاعات. ووفق تحذير لاحق لمكتب التحقيقات الفيدرالي، تمكّن القراصنةُ من الوصول عن بُعد إلى تلك الأجهزة وتغيير عناوين بروتوكول الإنترنت وكلمات المرور، ما منع شركات المرافق فعلياً من الوصول إلى أنظمتها.
وقال المكتب إن التأثيرات التشغيلية شملت فقدانَ ضغط المياه وحدوثَ فيضانات، محذِّراً من أن انخفاض الضغط قد يسمح بتسرّب المياه الجوفية غير المعالجة إلى الأنابيب. وتعرّضت مرافقُ المياه في 12 ولاية على الأقل للاختراق، بينها أكثر من 30 مرفقاً في مينيسوتا، حيث تسبّبت الهجماتُ في مشكلات مختلفة، ففقد بعضُ المشغّلين القدرةَ على مراقبة أنظمة المياه، واضطر آخرون إلى التحول من التحكم الآلي إلى اليدوي، بينما بدأت بعضُ أنظمة التحكم تتصرف بصورة غير طبيعية. ولاحظ المشغِّلون الخللَ فأوقفوا المعدّات وأعادوا تشغيلها واتخذوا إجراءاتٍ فنيةً تصحيحيةً. ولم تتعرض مياهُ الشرب للخطر، بينما تولّت مرافقٌ أخرى التحكم الآلي في معدات فقدت السيطرة عليها عبر الكمبيوتر.
وسبق أن شهدت أميركا حوادثَ مماثلةً كادت تتسبب في أضرار أكبر. ففي عام 2024، استهدف قراصنةٌ مرتبطون بدولة أجنبية مرافقَ مياهٍ في بلدات صغيرة بولاية تكساس، وتسبّبوا في فيضان خزان للمياه لنحو 45 دقيقة. وفي عام 2013، سيطر قراصنة آخرون على أنظمة كمبيوتر لسد صغير شمال مدينة نيويورك، لكنهم لم يتمكنوا من تحريك بواباته.
ويرى الخبراءُ أن هجمات يوليو الإلكترونية كانت أوسع جغرافياً من أي هجمات أخرى سابقة، لكنها ظلت بدائيةً إلى حدٍّ ما، إذ استهدفت معدات محدّدة متصلة بالإنترنت وكانت محميّة بكلمات مرور ضعيفة. وقالت طاهرة مامن، خبيرة أمن الذكاء الاصطناعي في مؤسسة «راند»، إنها كانت «هجمات انتهازية، تتوافق مع أسلوب إيران المعروف سابقاً».
وغالباً ما كانت الهجمات الإلكترونية السابقة ضد البنية التحتية للمياه الأميركية تستهدف مرافقَ صغيرة تعاني نقصَ الموظفين ومحدوديةَ التمويل. كما أن قطاع المياه لم يبدأ في استخدام أنظمة الكمبيوتر على نطاق واسع إلا مؤخراً، ما يجعل العاملين فيه أقل خبرة بأساسيات الأمن السيبراني. ولا تستطيع كثير من المرافق الصغيرة تحمل تكلفة فرق متخصصة، بينما تظل برامج التدريب والتحسين الممولة اتحادياً اختيارية. ووفق تقرير عام 2022، يخدم نحو 90% من مرافق المياه العامة في الولايات المتحدة أقل من 10 آلاف شخص.
وتضغط بعض مجموعات صناعة المياه الآن على الكونغرس لتفعيل الحد الأدنى من متطلبات الأمن السيبراني. حيث دعت الجمعية الأميركية لأعمال المياه قادة الكونغرس إلى إقرار مشروعات قوانين لتمويل الأمن السيبراني لمرافق المياه، فيما حذّرت الجمعية الوطنية لشركات المياه من أن غياب معايير موحّدة يعرّض للخطر عدداً كبيراً من الأنظمة.
لكن بعض المنظمات تُعارض فرضَ متطلبات جديدة، وترى فينلي أن على الكونغرس ووكالة حماية البيئة زيادةَ التوعية وتمويل البرامج القائمة، معتبرةً ذلك حلاً عملياً أكثر من متطلبات تنظيمية قد تستغرق سنوات لتطويرها.
وفي الوقت نفسه، تتعرض وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، وهي الوكالة الأميركية الرئيسية لحماية البنية التحتية، لتقليص حجمها وتمويلها في عهد ترامب. فقدت الوكالة نحو ثلث موظفيها، أي قرابة ألف موظف، منذ يناير 2025، وتقترح موازنة 2027 خفضَ تمويلها بـ707 ملايين دولار. كما لم يكن لها مدير دائم منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض.
ومع ذلك، تمكنت الوكالة من الاستجابة بفاعلية لهجوم يوليو، فيما يُبدي خبراءُ الأمن السيبراني تفاؤلاً بقدرة الوكالات المسؤولة عن الدفاع السيبراني على حماية البنية التحتية الحيوية.
وقالت مامن، التي تولت سابقاً منصبَ رئيس مركز أمن الذكاء الاصطناعي التابع لوكالة الأمن القومي، إن الولايات المتحدة «تعيش لحظة استثمار قوي في الأمن السيبراني»، وتمتلك التكنولوجيا التي تمكّنها من استباق المشكلة، وكل ما تحتاج إليه هو تطبيقها بالشكل المناسب.
*صحفي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»
إقرأ المزيد


