جريدة الإتحاد - 8/23/2026 12:12:56 AM - GMT (+4 )
رغم أن للولايات المتحدة تاريخاً طويلاً في توقيع المعاهدات، وتقديم الالتزامات، ثم التخلي عنها لاحقاً، فإن سجل السياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط خلال القرن الحالي يُعد استثنائياً بكل المقاييس. فقد شهدت المنطقة تحولات سياسية جذرية، ومعاهدات منقوضة، ووعود قُطعت ثم نُسيت، وحروب عبثية شُنت دون اكتراث بالفوضى التي ستخلفها للآخرين. ومن المريح لـ«الجمهوريين» و«الديمقراطيين» إلقاء مسؤولية تراجع النفوذ الأميركي على «الطرف الآخر». لكن الحقيقة أن الإدارات الأميركية كافة خلال القرن الحالي تتحمل جزءاً من المسؤولية.
فقد بدأ الرئيس جورج دبليو بوش الحروب والاحتلالين الكارثيين في أفغانستان والعراق، لكن الرئيسين باراك أوباما وجوزيف بايدن أنهيا الحربين بصورة سيئة، ما فاقم أضرارهما. وبينما تحدى بوش القانون الدولي، أضعف أوباما التزام الولايات المتحدة بسيادة القانون أكثر برفضه المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. وأسهب بايدن في الدفاع عما أسماه «النظام الدولي القائم على القواعد». لكنه قوض موقفه عندما اتضح أن التزامه كان انتقائيًا، إذ اقتصر على حرب روسيا وأوكرانيا ولم يشمل سياسات إسرائيل. وفي ما يتعلق بفلسطين، لم تتخذ أي إدارة أميركية خلال الربع الأول من القرن الحالي الإجراءات الحازمة اللازمة لكبح السلوك الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة أو في لبنان، والآن في سوريا.
وكانت النتيجة واضحة: إسرائيل تتصرف بلا عقاب، والفلسطينيون فقدوا الأمل، وشعوب المنطقة فقدت حتى ذرة من الإيمان بقدرة الولايات المتحدة على أداء دور بناء في صنع السلام. وفي حين لجأ بايدن في إحدى المرات إلى مجلس الأمن الدولي، ونجح في تمرير قرار لوقف إطلاق النار في غزة، وأبلغ المجلس بأن إسرائيل وافقت عليه، مع علمه الكامل بأنها لم توافق على شروطه، فإن ترامب ذهب بهذه الممارسة إلى أبعد من ذلك.
فقد جمع، وسط ضجة كبيرة، بعض القادة في فعالية للاحتفال بخطته للسلام المؤلفة من 20 نقطة لإنهاء حرب غزة. لكن المشكلة أن أياً من أطراف القتال، لا «حماس» ولا إسرائيل على وجه الخصوص، لم يوافق على شروطها. كما بلغ تفاخر ترامب في تعامله مع حربه مع إيران مستويات جديدة؛ فقد أعلن في 42 مناسبة على الأقل أن الحرب انتهت، أو أنه انتصر، أو أن إيران تتوسل للتفاوض وفق شروطه، ثم عاد بعد يوم أو يومين ليهدد بإبادة إيران إذا لم ترفع، على حد تعبيره، «الراية البيضاء» للاستسلام. يُضاف إلى تلك الفوضى آلاف اللبنانيين الذين قُتلوا، وعشرات القرى التي دمرتها إسرائيل منذ وقف إطلاق النار الذي دعمه ترامب، والتهجير والعنف المروع الذي يمارسه المستوطنون والجنود الإسرائيليون في الضفة الغربية، والانتهاكات المستمرة في غزة، وليس مستغرباً أن العرب قد فقدوا ثقتهم في التزام الولايات المتحدة بالسلام والأمن الإقليميين. وبعد الكوارث التي خلفتها حرب العراق في عهد بوش، وسياساته الداخلية المعادية للعرب والمسلمين، سافر الرئيس أوباما إلى القاهرة لإلقاء خطاب يهدف إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات الأميركية مع المنطقة.
وبعد سبع سنوات من عدم تنفيذ الوعود التي قطعها في خطابه بالقاهرة، أجرى أوباما مقابلة مطولة مع مجلة «ذي أتلانتيك»، ألقى فيها اللوم على العرب لعدم قيامهم بما يكفي. وعندما تحدثت معه عن الخطاب والمقابلة، قال إن توقعات العرب كانت مبالغاً فيها. فأجبته بأنه هو من رفع سقف التوقعات، وهو من قطع الوعود بأنه سيغير «واشنطن وأميركا والعالم».
وقلت له: «لا تلقِ باللوم عليهم لأنهم صدقوك». وأصبح من الجلي الآن أن العالم العربي لم يعد يصدق الوعود الأميركية، فقد بدأ يشق طريقه نحو نظام عالمي ما بعد أميركي، من خلال إقامة تحالفات جديدة، وايجاد شركاء جدد، ووضع مصالحه الخاصة في المقام الأول.
وإذا أرادت الولايات المتحدة أن يكون لها مكان في هذا النظام الجديد، فلن يكفي أن تأتي إدارة جديدة بوعود بالتغيير. بل سيتطلب الأمر مراجعة متأنية لعقود من أوجه القصور، تقود إلى سياسات جديدة تُقام على تحقيق العدالة للفلسطينيين، وإقامة شراكات وأمن إقليميين. لكن الاعتراف بالمشكلات ليس سوى الخطوة الأولى؛ إذ يجب أن يتبعه التزام واضح ومستدام بتنفيذ نهج مختلف تجاه الأزمات المتعددة التي ساعدنا في خلقها أو تفاقمها في أنحاء المنطقة. ولأننا احتجنا جيلاً كاملاً لحفر هذه الحفر العميقة لأنفسنا في العالم العربي، فلن يكون الخروج منها سريعاً أو سهلاً. استعادة الثقة ستحتاج إلى وقت وعمل شاق.
*رئيس المعهد العربي الأميركي
إقرأ المزيد


