جريدة الإتحاد - 8/25/2026 11:23:14 PM - GMT (+4 )
تولى رئيس وزراء نيبال، بالين شاه، زعيم حزب «راستريا سواتانترا»، السلطة العام الماضي بدعم حركة شبابية شعبية أدت إلى إسقاط الحكومة السابقة. وأُجريت انتخابات في نيبال تحت إشراف حكومة مؤقتة برئاسة القاضية السابقة سوشيلا كاركي.
وتولت الحكومة الجديدة زمام الأمور في مارس الماضي، حيث انصب تركيز رئيس الوزراء المنتخب حديثاً على الشؤون الداخلية فقط في البداية، إذ تعهّد بتوفير 1.2 مليون فرصة عمل والحد من الهجرة القسرية. كما تعهّد برفع متوسط دخل الفرد في نيبال من 1447 دولاراً إلى 3000 دولار خلال خمس سنوات، ورفع الناتج المحلي الإجمالي للبلاد إلى 100 مليار دولار.
ونظراً لتركيز بالين شاه على الشؤون الداخلية، لم يُعر اهتماماً كافيًا للشؤون الخارجية، ولم يعقد اجتماعات ثنائية مع الدبلوماسيين الأجانب في كاتماندو، ولا مع كبار الشخصيات الأجنبية الزائرة. وظلّت سياسته الخارجية تجاه الهند والصين، والتي يتوجب على أي زعيم نيبالي موازنتها نظراً لجغرافية هذا البلد الواقع في جبال الهيمالايا، غامضة إلى حد ما. لكنه بدأ مؤخراً الاهتمام بالسياسة الخارجية، التي تظل بالتأكيد بالغة الأهمية، نظراً لاعتماد البلاد على الهند.
فعلى سبيل المثال، يمر أكثر من 60% من إجمالي التجارة عبر طرق العبور الهندية الحيوية، كما أن الهند تربط البلاد بشكل وثيق من الناحية الاقتصادية والعمالية والبنية التحتية.
وقرر رئيس الوزراء بالين شاه عقد اجتماعات ثنائية منفصلة الشهر الجاري مع سفيري الهند والصين في كاتماندو، مما شكّل تحولاً ملحوظاً عن سياسته السابقة المتمثلة في تجنب عقد لقاءات فردية مع المبعوثين الأجانب. وأبرزت تلك الاجتماعات إدراكه أهمية تحقيق التوازن في علاقات نيبال الدبلوماسية مع جارتيها الكبيرتين. فكما يبدو أنه أدرك بوضوح ضرورة الاهتمام بالسياسة الخارجية للمساعدة في تحقيق هذه الأهداف، في ظل اعتماد نيبال على كل من الهند والصين.
وتعتمد نيبال بشكل كبير على الطرق الهندية لتأمين الإمدادات الحيوية لمواطنيها، كالنفط ومشتقاته والأدوات والمعدات والأدوية وغيرها. ويأتي ملايين النيباليين إلى الهند دون تأشيرة دخول للعمل فيها بموجب معاهدة الصداقة الموقعة عام 1950. وتسهم الشركات الهندية الكبرى بخبراتها الفنية واستثماراتها الرأسمالية، ما يسهم في تعزيز فرص العمل وتطوير مستوى البنية التحتية المحلية في نيبال. ومن الواضح أن شاه يتبنى نهجاً عملياً، يستهدف إنعاش الاقتصاد النيبالي.
وفي الوقت نفسه، تعتمد نيبال أيضاً على الصين. فقد حصلت على إمكانية الوصول إلى أربعة موانئ بحرية صينية وثلاثة موانئ برية، بعد توقيعها بروتوكول عبور تاريخياً مع بكين عام 2018. وأنهى ذلك الاتفاق احتكار الهند طويل الأمد لمنح نيبال، الدولة الحبيسة، إمكانية الوصول إلى الموانئ الهندية.
كما توفّر الصين لنيبال، في إطار «مبادرة الحزام والطريق»، دعماً هندسياً وتمويلياً حيوياً لمشروعات داخلية كبرى، مثل توسعة الطريق الدائري في كاتماندو، وطريق أرنيكو السريع، وعدد من محطات الطاقة الكهرومائية.
وتستحوذ الصين بانتظام على الحصة الأكبر من تعهدات الاستثمار الأجنبي المباشر في نيبال، وتضخ رؤوس الأموال في قطاعات الاتصالات والضيافة والتصنيع.
ونتيجة لاعتمادها على جارتيها الكبيرتين، يتعين على نيبال تحقيق توازن في علاقاتها مع كل من الهند والصين. وتشترك الهند ونيبال في حدود مفتوحة تاريخية تمتد لمسافة 1751 كيلومتراً، فضلاً عن تعاون واسع في مجالات التجارة والدفاع والطاقة.
كما تستند هذه العلاقات إلى معاهدة السلام والصداقة بين الهند ونيبال الموقعة عام 1950، والتي تسمح بحرية تنقل المواطنين وتكافؤ فرص العمل والإقامة. وفي الوقت نفسه، توجد شراكات حيوية، من بينها اتفاقيات الطاقة التي تتيح لنيبال تصدير كميات كبيرة من الكهرباء المولدة من الطاقة الكهرومائية إلى الهند. ويستهدف البلدان زيادة قدرات توليد الكهرباء المتبادلة إلى ما يصل إلى 10 آلاف ميغاوات.
ومع ذلك، لا تزال هناك نقاط خلاف بين الهند ونيبال، حيث تشهد العلاقات بين البلدين توتراً بشأن عدد من اتفاقيات تقاسم المياه على بعض الأنهار، ويملك البلدان معاهدات مائية تاريخية متعددة تهدف إلى مكافحة الفيضانات والري وتطوير الطاقة الكهرومائية.
إلا أن كاتماندو ترغب في إعادة التفاوض على بعض هذه الاتفاقيات لاعتقادها بأنها تميل لصالح الهند. ومع ذلك، هناك رغبة لدى كلا البلدين في تحسين العلاقات، ومن الواضح أن الجهد سينصب على استقرار العلاقات في المستقبل، لأنه بالنظر إلى الترابط الاقتصادي، لا يمكن لأي من الجانبين تحمل تدهور العلاقات.
*رئيس مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي
إقرأ المزيد


