جريدة الإتحاد - 8/25/2026 11:29:32 PM - GMT (+4 )
يشهد الحديث عن الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون رواجاً كبيراً حالياً. فالشباب المحافظون الذين يتبنّون ما يُعرف بـ«نيكسون ماكسينغ» أو «الهوس بنيكسون» يسعون إلى تحسين سمعته من خلال ارتداء ملابس تحمل صورته، والإشادة بأسلوبه السياسي الحاد، وتصويره كضحية لمؤامرات واشنطن.وقال نائب الرئيس جيه. دي. فانس في أواخر يونيو، تعليقاً على فضيحة ووترغيت التي أدت إلى استقالة نيكسون عام 1974: «لو حدثت ووترغيت غداً، لكانت قصة إخبارية تستمر 12 ساعة. وفكرة أنها كانت ستؤدي إلى إسقاط رئاسة أمر جنوني».
ومن الواضح أن سياسة الاستياء وأسلوب نيكسون الصدامي يجذبان اليمين الشعبوي. كما يتشارك مع الرئيس دونالد ترامب، المعجب به منذ فترة طويلة، النزعة المناهضة للمؤسّسة السياسية. لكنّ هناك اختلافاً جوهرياً بين الرجلين يُبرر إعادة النظر في نيكسون، ولكن ليس للأسباب التي يتخيلها أنصاره الجدد. ومن أكثر الجوانب المثيرة للقلق في سياسة حركة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً»، أو «ماغا» التي يقودها ترامب، أنها تُنكر نتائج الانتخابات وتسعى إلى تقويض الثقة في النظام الانتخابي الأميركي، كما تلقي باللوم في مشكلات البلاد على «الدولة العميقة»، غامضة وشريرة.
وعلى النقيض، قاوم نيكسون هذه النزعات، رغم أن ذلك كلّفه في إحدى المرات فرصة الوصول إلى الرئاسة، وفي مرة أخرى كلفه الرئاسة نفسها. ومرّت 32 عاماً منذ أن دعا الرئيس بيل كلينتون، في جنازة نيكسون عام 1994، البلاد إلى «تذكُّر حياة الرئيس نيكسون في مجملها». لكن ذلك لم يكن سهلاً قط. أراد كلينتون أن تتجاوز البلاد النظر إلى نيكسون من منظور ووترغيت وحدها، لكن ذلك لم يعنِ تجاهل الفضيحة أو التقليل من شأنها. فقد أقرّ نيكسون نفسه لاحقاً: «لقد اتخذت الكثير من القرارات الخاطئة» و«لقد تسببت في إسقاط نفسي». ورغم خطورة أخطائه، وكما ألمح كلينتون، يمكن استخلاص الكثير من الدروس من الجوانب الإيجابية العديدة في قصة نيكسون، مثل سياساته الخارجية الرائدة وسجلّه الداخلي التقدمي المثير.
ويتمثل العنصر الأكثر فائدة في تقدير شخصيته بشكل شامل في الوقت الراهن في لحظتين رفض فيهما نيكسون الانضمام إلى الجمهوريين الذين كانوا يحثّونه على رفض نتائج الانتخابات وتحدِّي أحكام المحكمة، وقد وقعت اللحظتان في بداية ونهاية لمسيرته في السياسة الرئاسية. وجاءت الأولى في انتخابات 1960، عندما أنهى نيكسون، نائب الرئيس آنذاك، السباق بفارق شبه متعادل مع «الديمقراطي» جون إف. كينيدي، إذ لم يتجاوز الفارق 118 ألف صوت من أصل 68 مليوناً.
واعتمد فوز كينيدي على هوامش ضئيلة للغاية في إلينوي وتكساس، وكلتاهما شهدتا تاريخياً شكوكاً بشأن فرز الأصوات. وحثّه الكثير من مؤيديه على الطعن في النتيجة، لكنه أقرّ بالهزيمة سريعاً، وقال لأحد أصدقائه: «بلادنا لا تحتمل ويلات أزمة دستورية».
وربما اعتقد في قرارة نفسه أنه حصل على أصوات تكفي للفوز، لكنه ثنى مسؤولين جمهوريين عن مواصلة التحقيق، وشدّد علناً على دعمه انتقالاً منظماً للسلطة. وفي 6 يناير 1961، أثناء ترؤسه جلسة مشتركة للكونجرس، اضطر نيكسون إلى إعلان هزيمته بنفسه. وقال إن خسارة مرشّح للرئاسة ثم إعلانه فوز منافسه تُمثّل مثالاً قوياً على استقرار النظام الدستوري الأميركي، وعلى تقليد احترام مؤسسات الحكم الذاتي.
وأضاف أن الخاسرين، مهما كانت المنافسة شديدة أو النتيجة متقاربة، يقبلون الحكم ويدعمون الفائزين، ثم أعلن انتخاب جون إف. كينيدي رئيساً للولايات المتحدة. بوعد 13 عاماً، وبينما كان نيكسون رئيساً للولايات المتحدة، لكن مسيرته السياسية كانت تنهار وسط فضيحة ووترغيت، أثبت مجدداً التزامه بالنظام الدستوري.
فعندما رفضت المحكمة العليا في 24 يوليو 1974، منح الرئيس حق استخدام امتياز السلطة التنفيذية لحماية تسجيلات المكتب البيضاوي، بما يشمل تسجيل احتوى على «دليل قاطع» أطاح به، لم يُخفِ نيكسون التسجيل أو يُتلفه، كما حثّه الكثيرون على ذلك. بل قرّر نيكسون قبول الحكم وإعلانه علناً. وفي ذلك اليوم، تلا مستشاره الخاص جيمس سانت كلير بياناً على الإذاعة والتلفزيون، قال فيه نيكسون إنه يشعر بخيبة أمل، لكنه «يحترم قرار المحكمة ويقبله»، وأمر باتخاذ الإجراءات اللازمة للامتثال له بالكامل.
وحاول البيت الأبيض الحدّ من الأضرار الناجمة عن تسريب التسجيلات، لكن دون جدوى. وسط ضغوط متزايدة لعزله، أعلن نيكسون استقالته في 8 أغسطس. إنّ احترام العمليات الديمقراطية، لاسيما نتائج الانتخابات وأحكام المحاكم، ليس رائجاً اليوم في بعض دوائر واشنطن، حتى بين من يزعمون الإعجاب بنيكسون. لكن هذا الاحترام، ولا سيما عندما كانت الأمور على المحك، كان جزءا أساسياً من مجمل شخصية ريتشارد نيكسون وإرثه.
*أستاذ الإعلام والشؤون العامة في جامعة جورج واشنطن، ومؤلف كتاب «شمولية نيكسون المراوغة». ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


