جريدة الإتحاد - 8/25/2026 11:35:50 PM - GMT (+4 )
قاطعت في منتصف أغسطس ثلاثة تطورات تتعلق بالاقتصاد الأميركي. وبترتيب تنازلي من حيث الأهمية: بلغ الدين الفيدرالي الأميركي الرسمي 40 تريليون دولار. واختار الناخبون في الانتخابات التمهيدية مرشحين لعدد كبير من المنافسات السياسية التي يبدو أنها ستتمحور حتماً حول قضية «القدرة على تحمّل تكاليف المعيشة». وفي الوقت نفسه، خاض مؤيدو نائب الرئيس جي دي فانس ومنتقدوه نقاشاً حول رؤيته للمكانة العالمية للدولار. وهذه التطورات، التي عادة ما يُنظر إلى كل منها بمعزل عن الأخرى، تكشف أن الناخبين والسياسيين على حد سواء يريدون أشياء لا يمكن الجمع بينها، لكنهم يرفضون الاعتراف بالمقايضات التي تفرضها. بدأ الجدل حول الدولار عندما أعاد أحد منتقدي فانس تداول مقطع مصور يعود إلى عام 2023، حين كان فانس عضواً في مجلس الشيوخ. والدولار هو «عملة الاحتياطي العالمية»، وتستخدمه الحكومات والشركات لإجراء المعاملات وتسوية الحسابات والاحتفاظ بالمدخرات. وقد أعرب فانس مراراً عن قلقه من أن الطلب الأجنبي على الدولار يشوه الاقتصاد الأميركي. فهو يخفض تكاليف الاقتراض ويشجع على تراكم مستويات غير صحية من الديون. كما أنه يعزز قيمة العملة مقارنة بعملات أخرى، ما يجعل الواردات إلى الولايات المتحدة أرخص بالنسبة للمستهلكين الأميركيين، ويجعل الصادرات الأميركية أكثر تكلفة بالنسبة للمستهلكين الأجانب. ومن هذا المنظور، فإن هيمنة الدولار تسهم في زيادة العجز التجاري وتحد من نمو الإنتاج الصناعي وفرص العمل في قطاع التصنيع. لكن معظم الاقتصاديين لا يرون الأمر بهذه الطريقة. ويشير «موريس أوبستفيلد»، أستاذ الاقتصاد الفخري في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، إلى أن العجز التجاري الأميركي اتسع حتى في الفترة بين عامي 2002 و2006، عندما كان الدولار يتراجع، كما أن بريطانيا حققت فوائض تجارية خلال عصر هيمنة الجنيه الإسترليني. ويخلص إلى أن العجز التجاري الأميركي هو في معظمه «مشكلة داخلية المنشأ»، ناجمة عن اقتصاد يقل فيه الادخار عن حجم الاستثمار. وأشار آخرون إلى أن تراجع العمالة في قطاع التصنيع يحدث في مختلف أنحاء العالم، سواء في الدول التي تعاني من عجز تجاري أو تلك التي تحقق فوائض تجارية. وقد قال الرئيس «دونالد ترامب» في بعض الأحيان إنه يريد دولاراً أضعف، بما يتماشى مع تصريحات فانس، لكنه دافع في الوقت نفسه وبشدة عن مكانة الدولار كعملة احتياطية. وقال في يوليو 2025: «كما تعلمون، إذا فقدنا ذلك، فسيكون الأمر أشبه بخسارة حرب عالمية». لكن حتى الدولار الأضعف إلى حد ما له تكاليفه. فاختيار الدولار الأضعف يعني أن تكون أجور الأميركيين قادرة على شراء كميات أقل من السلع الأجنبية مقارنة بما تشتريه الآن. وسيصبح الأميركيون أكثر إنتاجاً لصالح بقية العالم، ويحصلون في المقابل على قدر أقل منه. وبغض النظر عن الفوائد الأخرى التي قد يحققها ذلك، فإنه سيعني «تراجع القدرة على تحمّل تكاليف المعيشة». والنظر إلى المكانة المرتفعة للدولار باعتبارها «لعنة»، كما اقترح فانس، يطرح سؤالاً إضافياً: كيف يمكن للولايات المتحدة التخلص منها؟ لقد أصبح الدولار عملة الاحتياط العالمية ليس بسبب سياسات صُممت عمداً لتحقيق هذا الهدف بقدر ما أصبح كذلك نتيجة ازدهار أميركا وقوتها العسكرية وجاذبية أسواق رأس المال فيها والثقة في التزامها بسيادة القانون. وقال جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك JPMorgan Chase، مؤخراً: «إذا لم نكن أقوى قوة عسكرية خلال 25 عاماً، ولم نكن أقوى اقتصاد، فلن نكون أيضاً عملة الاحتياط». ومن المفترض أن هذه ليست الطريقة التي يرغب معظم الأميركيين في التخلص بها من سلبيات «الدولار المهيمن». وقد اقترح بعض مسؤولي إدارة ترامب، مثل المستشار الاقتصادي السابق ستيفن ميران، أن تفرض الولايات المتحدة «رسوماً على استخدام» حيازات الأجانب الرسميين من سندات الخزانة الأميركية. وقد يؤدي ذلك إلى خفض قيمة الدولار. لكن بما أن المواطنين الأميركيين سيضطرون إلى شراء مزيد من سندات الخزانة، فإنهم سيقرضون القطاع الخاص أموالاً أقل، ما سيؤدي إلى تضرر الاستثمار. كما سترتفع تكاليف الاقتراض الفيدرالي. وهذا أمر جيد إذا كنت تعتقد أن هيمنة الدولار «لعنة»: فالنظرية تقول إن الحكومة الفيدرالية غرقت في الديون إلى هذا الحد لأن الاقتراض كان سهلاً. وإذا أصبح اقتراض الحكومة أكثر تكلفة، فسيتعين على واشنطن أن تقلل من حجم الاقتراض. لكن تكاليف الفائدة، التي أصبحت الآن «ثالث أكبر بند في الموازنة الفيدرالية، تتزايد منذ سنوات من دون أن تؤدي إلى مزيد من الانضباط المالي. ومن المرجح أن يؤدي إسقاط الدولار عن عرشه إلى «زيادة العجز» من خلال رفع مدفوعات الفائدة، أكثر من أن يؤدي إلى انتشار مفاجئ للمسؤولية المالية على مستوى البلاد. ويرى كثير من الاقتصاديين أن نظرية «لعنة العملة» تقلب العلاقة بين عجز الموازنة والعجز التجاري رأساً على عقب: «فخفض عجز الموازنة سيؤدي إلى انخفاض قيمة الدولار وتراجع العجز التجاري. لكن الخيارات المتاحة لخفض العجز لا تزال غير جذابة كما كانت دائماً. فالزيادات الضريبية التي يمكن أن تحقق أكبر قدر من الإيرادات لا تحظى بشعبية. وكذلك الحال بالنسبة لخفض الإنفاق على «ميديكير والضمان الاجتماعي، وهما أكبر بندين في الموازنة الفيدرالية. أما تقليص الإنفاق على «البنتاغون»، وهو رابع أكبر بند، فقد يعرّض الأمن القومي للخطر. ولهذا يستمر العجز. خفض عجز الموازنة والعجز التجاري، وخفض الضرائب، وزيادة وظائف التصنيع، وخفض أسعار السلع والخدمات: كلها أهداف جذابة، لكن لا يمكن تحقيقها في الوقت نفسه. ومع ذلك، لن يمنعنا ذلك من مواصلة المحاولة، ولهذا غالباً ما تكون سياساتنا غير متسقة، وتصبح نقاشاتنا في كثير من الأحيان «عبثية». ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشين» *زميل في معهد أميركان إنتربرايز.
Retouched
1000x700
2.44MB
إقرأ المزيد


