مصحف النساء.. وتعزيز دور المرأة المغربية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

ثمّة أحداث لا تُقاس بقوة ضجيجها لحظة وقوعها، بل بما تتركه من معنى في الذاكرة. ومن هذا الصِّنف تلك المبادرة المغربية اللافتة التي تحوّلت فيها تجربة لمحو الأمية إلى فعل حضاري كثيف الدلالة: أكثر من خمس وسبعين ألف امرأة مغربية شاركن سنة 2015 في نَسخ مصحف جماعي، ضمن برنامج محو الأمية بالمساجد الذي تشرف عليه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.قد يبدو الأمر، في ظاهره، نشاطاً تربوياً ذا بُعد ديني. لكنه في حقيقته أعمق من ذلك بكثير. فالمرأة التي دخلت المسجد لتتعلم الحَرف لم تُعامل بوصفها متلقّية لمعرفة ناقصة فحسب، بل بوصفها قادرة على أن تنتقل من التعلُّم إلى الإسهام، ومن فكِّ الخط إلى كتابته، ومن موقع المستفيدة إلى موقع المشاركة في حفظ الذاكرة الدينية للمجتمع.
خلال الأشهُر الأولى من سنة 2015، جرى إعداد المستفيدات لهذا المشروع في عدد من جهات المملكة. ثم وزّعت عملية الكتابة بين المشاركات، فكتبت كل واحدة كلمة أو جزءاً محدداً من المصحف، وفق الضوابط المعتمدة في الرسم والرواية. وبعد استكمال العمل، خضع للمراجعة العلمية من الجهات المختصة، وفي مقدمتها مؤسّسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف.

وفي يوم الجمعة 19 يونيو 2015، خلال افتتاح الدروس الحسنية الرمضانية لسنة 1436ه، قُدمت النُّسخة إلى الملك محمد السادس، كانت تلك اللحظة تتويجاً لمسار تربوي، لكنها كانت أيضاً إعلاناً رمزياً بأن محو الأمية يمكن أن يتحول من سياسة اجتماعية إلى صناعة للمعنى. 
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمبادرة.
فالسياسات التعليمية تنجح عندما تمنح الإنسان مهارة، لكنها تبلغ مرتبة أعلى عندما تمنحه ثقة في نفسه وموقعاً داخل الجماعة. ومن هذه الزاوية، لم يكن «مصحف النساء» مجرد مصحف كتبته آلاف الأيدي، بل كان وثيقة تقول إن المرأة المغربية ليست هامشاً في تاريخ المعرفة الدينية، وإنما جزءٌ أصيل منه.
وهذا المعنى له جذور عميقة في التاريخ المغربي. فالخزائن المغربية تحفظ أسماء نساء ارتبط حضورهن بخدمة القرآن ونسخه. ومن بينهن عائشة بنت الحاج مبارك الشلح التكي، التي تحفظ المكتبة الملكية بالرباط مصحفاً بخطّها تحت الرقم 4225. كما تذكر المصادر الشريفة فاطمة بنت علي بن محمد المثالي الزبادي الفاسية ضمن النساء اللواتي اشتُهرن بنَسخ المصاحف.
ولا يتوقف الحضور النسائي المغربي عند الخط والنّسخ. ففي المجال العلمي برزت أسماء نسائية ارتبطت بالتعليم والفقه والتربية، ومن بينها خديجة الحوات، التي تذكرها المصادر ضمن النساء المشتغلات بالعلم وتعليم غيرهن. وفي المجال السياسي برزت خناثة بنت بكار المغفرية، زوج السلطان مولاي إسماعيل وأم السلطان مولاي عبدالله، باعتبارها امرأة ذات عِلم ورأي وحضور في دوائر القرار.

وقبلها بزمن، قدّمت السيدة الحرة عائشة بنت علي بن راشد نموذجاً آخر بالغ القوة. فقد تولّت حكم تطوان في القرن السادس عشر، وبرز نفوذها في شمال المغرب وفي علاقاته المتوسطية، في زمن كان فيه حضور النساء في المجال السياسي استثناءً في مناطق واسعة من العالم.
ثم يأتي القرن العشرون ليمنحنا صورة أخرى من صور الاستمرارية. ففي 11 يناير 1944 كانت مليكة الفاسي المرأة الوحيدة الموقّعة على وثيقة المطالبة بالاستقلال. لم يكن توقيعها مجرد حضور رمزي، بل كان امتداداً لدور المرأة المغربية في الحركة الوطنية، والتعليم، والعمل الاجتماعي، وصناعة الوعي بالاستقلال.
من هنا، فإن مصحف سنة 2015 لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره لحظة منفصلة، بل باعتباره حلقة جديدة في سلسلة طويلة. من النّاسخة في الخزانة، إلى العالمة في حلقة الدرس، إلى المستشارة في القصر، إلى الحاكمة في تطوان، إلى المناضلة في الحركة الوطنية، وصولاً إلى عشرات الآلاف من النساء اللواتي وضعن حروفهن في مصحف واحد.
وهذا هو ما يجعل التجربة المغربية متميزة حقاً. فالمرأة المغربية لم تنتظر العصر الحديث كي تدخل المجال العام، كما أنها لم تكن دائماً خارج فضاءات العلم أو القرار. تاريخها يكشف أن حضورها كان متنوعاً ومتدرّجاً وممتداً، وأن قدرتها على الفعل ظهرت كلما أتيحت لها أدوات المعرفة ومساحات المشاركة.
لذلك، فإن «مصحف النساء» ليس مجرد أثر جميل يستحق الحفظ والعرض، بل هو مرآة لطريقة أعمق في فهم المرأة المغربية: امرأة لا تُختزل في موقع اجتماعي واحد، ولا في صورة نمطية واحدة، بل تتحرك بين العِلم والدِّين والسياسة والوطن، وتصنع أثرها بحسب أدوات عصرها.
وحين نعيد قراءة هذه التجربة بعد أكثر من عِقد من إنجازها، يتضح أن أجمل ما فيها ليس فقط عدد المشاركات، ولا حجم المصحف، ولا قيمته الفنية، بل الرسالة التي تركها: أن المرأة المغربية، حين تتاح لها المعرفة والثقة، لا تكتفي بأن تكون حاضرة في التاريخ، بل تملك القدرة على أن تكتب بعض صفحاته بيدها. 


*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة. 



إقرأ المزيد