ماذا لو؟!
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

كنتُ طفلةً عندما انتبهتُ إلى ذلك الحب؛ وجدته يُطيل النظر من شرفة شقته مترقباً طيفها على أمل أن تطلَّ عليه من شرفتها. كانت أكبر منه بسنواتٍ قليلة، علّمته يوماً درساً استعصى عليه، فاستوطنت قلبه منذ ذلك الحين. كبر الشاب، ولكن حلمه بها استحال بسبب فارق السن وضيق الحال. مضت في طريقها، ومضى هو في حياته، ليتزوج بعد سنواتٍ كثيرة امرأةً رائعةً أعانته على الدهر، وأثمر زواجهما عن أبناء رائعين.
في عينيَّ لم تنتهِ حكايته؛ راقبتُ بفضولٍ تقلباتِ القدر في أحواله، وكلما تحقق خيرٌ له بسبب زوجته، كان يقيني يزداد بأن الله كتب له السعادة بما تركه. وفي لحظة صفاء، وحين بلغ من العمر منتصفَ الستين، سألته السؤال الذي طالما خجلتُ أن أطرحه كلما التقينا: «يا ترى كيف تتوقع حالك لو أنك تزوجتَ تلك؟» فجاءت إجابته محملةً بمرارة الفقد: «كنتُ سأكون أسعدَ من الملوك!!».
يتراءى لنا نحن البشرَ شعورٌ غريبٌ مفاده أن الطريق الذي رغبنا فيه ولم نسلكه هو الفردوس المفقود. في حين أن الحقيقة هي أن ذلك الطريق لم يُختبر، وبقي بعيداً عن تفاصيل الحياة بكل منغصاتها الفعلية من مللٍ، والتزاماتٍ، ومرضٍ، وخلافٍ؛ لذلك يصوره العقل أنه طريقٌ مفروشٌ بالورود، ليبقى محفوظاً وجميلاً في الذاكرة ولو بعد عقود!
ولهذا بقيت جذوةُ الحبِّ لدى صاحبنا رغم السنواتِ الكثيرةِ؛ لأنه بقيَ حلماً عذرياً بعيداً عن الواقعِ اليوميِّ، بهمومِه وتجاعيدِه.
كما أنَّ - وهذا في رأيي أكثرُ إثارةً وحزناً في الوقت ذاته- بعضَنا يميل إلى منح ماضيه بعداً أسطورياً، وفي الغالب يحدث هذا عندما نفقد الشعور بجاذبية الواقع، أو بالأصح نفقد جاذبيتنا في الواقع المعاش. تتشكل الحسرة لدى بعضهم على ذواتهم التي تمنوها ولم يحققوها، فاعتقدوا زيفاً بجمال النسخة الأخرى من أنفسهم، تلك التي كانت تنتظرهم خلف الباب الذي لم يطرقوه. ولعل صاحبنا توقع أنه بزواجه من تلك كان سيصبح أكثر جرأةً، أو أشدَّ ثراءً، أو أعظمَ نفوذاً!
من الجميل فعلاً أن نطرح على أنفسنا سؤال: «ماذا لو؟»؛ 
ماذا لو تزوجتُها؟! ماذا لو سافرتُ؟! ماذا لو قبلتُ الوظيفة؟! ماذا لو لم أهاجر؟! ولكن علينا أن نستخدمه عندما نمر بلحظات سعادة واقعية نتيجةَ الطريق الذي سلكناه.. لا الآخرِ المتخيَّل.



إقرأ المزيد