حرب إيران.. وتحديات جيو سياسية أخرى
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تحديات جيوسياسية عديدة تواجه العالم مع نهاية هذا الصيف، قاسمها المشترك وقوف الرئيس الأميركي دونالد ترامب في قلب كل واحد منها. أول هذه التحديات هو إيران. فتلك «النزهة السريعة» التي كان من المفترض أن يقوم بها ترامب لم تنتهِ بعد، رغم مرور ما يناهز سبعة أشهر على اندلاع الصراع. وهو لا يعرف كيفية الخروج من هذا المأزق. فالحل العسكري لم ينجح، والولايات المتحدة تعاني من نقص في الذخيرة.

وفي الأثناء، أعلن ترامب حرباً اقتصادية شاملة ضد إيران، حرب ستتعرض بموجبها أي دولة تقيم علاقات تجارية مع طهران لعقوبات من الولايات المتحدة. والواقع أن إيران اعتادت منذ فترة طويلة على التحايل والالتفاف على العقوبات المفروضة عليها. لكن هناك مشكلة كبيرة. ذلك أنه إذا كان حلفاء الولايات المتحدة قد يميلون إلى اتباع ترامب حتى لا يثيروا استياءه ولا سيما الأوروبيين منهم، فإن هناك دولة واحدة ستقاوم، وهي الصين. فبكين لا تستسلم للضغوط الأميركية لأسباب جيوسياسية وسياسية داخلية على حد سواء.

كما أن لدى الصين مصالح جيوسياسية. ذلك أنها بحاجة إلى النفط الإيراني، والأهم من ذلك أن عليها أن تثبت لبقية دول «الجنوب العالمي» أنها لا تستسلم للقوة الأميركية، وأنها ليست دولة تخضع للولايات المتحدة. ومن ناحية أخرى، ينتظر ترامب وصول الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة في أواخر شهر سبتمبر، وهو بحاجة إلى أن يقدم له الرئيس الصيني بعض التنازلات الاقتصادية، وأن يشتري المزيد من طائرات «بوينغ» والمزيد من المنتجات الزراعية الأميركية. ولذلك، يبدو من غير المعقول أن يبدأ في هذا الوقت حرباً تجارية شاملة مع الصين بشأن إيران. بالمقابل، فعل ترامب ذلك مع كندا. وهنا وعلى نحو مفاجئ، لم تستسلم كندا.

فقد قدم رئيس الوزراء مارك كارني نموذجاً ربما كان على الدول الأوروبية أن تحذو حذوه، هي التي قدمت تنازلات كبيرة لترامب مثل قبولها إعفاء كاملاً من الرسوم الجمركية على الصادرات الأميركية مقابل فرض رسوم جمركية بنسبة 15 في المئة على المنتجات الأوروبية المصدرة إلى الولايات المتحدة. إذ أعلن كارني أنه سيطبق الرسوم نفسها على المنتجات الأميركية، وهو ما يمثل إخفاقاً لترامب بالطبع. وبالطبع، ستتكبد كندا خسائر بالنظر إلى أن 75 في المئة من صادراتها موجهة إلى الولايات المتحدة، لكن هذه الأخيرة ستتحمل هي الأخرى التكلفة.

غير أن كندا أرادت أن تثبت لترامب أنها لن تستسلم لأنها رأت أن سيادتها على المحك. وهذا مثال كان بإمكان بلدان أخرى أن تحذو حذوه. ثم هناك حرب أخرى شنّها ترامب: إنها الحرب السياسية والقانونية ضد المحكمة الجنائية الدولية. فقد قرر وزير الخارجية ماركو روبيو تدمير المحكمة الجنائية الدولية «لبنة لبنة»، على حد تعبيره. ذلك أن واشنطن لم تغفر للمحكمة وضع الجيش الأميركي موضع اتهام في أفغانستان والعراق، مثلما لم تغفر لها إصدار مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي.

وسنرى إذن ما إن كانت دول أخرى غير تشاد وفنزويلا ستستسلم لتهديدات ترامب وتنسحب من عضوية المحكمة الجنائية الدولية، أم أنها، على العكس من ذلك، ستقاوم. والأهم من ذلك أننا سنرى ما إذا كان الاتحاد الأوروبي، الذي يزعم التزامه القوي بالقانون الدولي، سيكتفي مرة أخرى بانتقادات ضعيفة والإعراب عن أسفه أو ندمه، دون أن يفعل أكثر من ذلك. في المقابل، هناك حرب لا يخوضها ترامب، ألا وهي حرب حماية الكوكب. إذ تشير التوقعات إلى أن ظاهرة «النينيو» قد تتسبب في دمار أكبر من المعتاد. وإذا كنّا قد عانينا كثيراً من الحرائق، فإننا قد نشهد الآن فيضانات. ومع ذلك، يواصل الرئيس الأميركي اتباع سياسة تشكك في تغير المناخ ويرفض مكافحة الاحتباس الحراري بفعالية.

وأخيراً، لا يزال هناك نزاعان مستمران حتى الآن رغم أن ترامب كان قد وعد بإنهائهما. الأول هو الحرب الروسية الأوكرانية، حيث يتزايد عدد القتلى من المدنيين مع تزايد الضربات. إذ لا يرغب أي من الطرفين في التنازل في وقت تتعارض مطالب أحدهما مع مطالب الآخر. ولذلك، فإنه من الصعب تصور كيف يمكن أن ينتهي هذا الصراع في الوقت الذي يعاني فيه البلدان معاناة شديدة ولا سيما سكانهما المدنيين. ثم هناك غزة حيث يعمل الجيش الإسرائيلي على تعزيز سيطرته على القطاع والضفة الغربية ولا تُحترم خطة السلام التي طرحها ترامب على الإطلاق.

فقد رفض بنيامين نتنياهو المرحلة الثانية من هذه الخطة. ولذلك، فإن احتمال تحقيق سلام حقيقي، أو على الأقل سلام عادل، يبدو بعيد المنال. ومعه باتت إمكانية إقامة دولة فلسطينية تبتعد أكثر فأكثر كل يوم في ظل سلبية المجتمع الدولي وجموده.

*مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس.
     



إقرأ المزيد