كندا وأميركا.. تداعيات النزاع التجاري
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

لعقود طويلة، اعتمدت كندا على الجيش الأميركي لحماية أمنها، وعلى السوق الأميركية لتحقيق ازدهارها الاقتصادي. فالولايات المتحدة تنفق على الدفاع أكثر من كندا بـ 20 مرة، بينما تتجه نحو ثلاثة أرباع صادرات كندا من السلع جنوباً إلى الولايات المتحدة.
لذلك، عندما انسحب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني من محادثات التجارة مع الولايات المتحدة في وقت متأخر من الأسبوع الماضي، بعد مفاوضات شاقة استمرت أشهراً، لم يكن الأمر متعلقاً فقط بخلافات التجارة ونسب الرسوم. بل كان قراراً سياسياً وصفه كارني بأنه ضروري، كما أنه يختبر نفوذ كندا وحدود قدراتها كقوة متوسطة.
وأصبح مصطلح «القوة المتوسطة» شائعاً في عام 2026 بفضل كارني، وتطور استخدامه ليشمل الدول التي تتحدى القوى العظمى العالمية. وقد روج كارني للمصطلح في خطاب تاريخي ألقاه في دافوس، تحدث فيه عن «شرخ» في النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، ودعا إلى تحالف القوى المتوسطة. والآن سيصطدم هذا الخطاب بالواقع، ليكشف حجم الألم الاقتصادي الذي تتحمله دولة لحماية سيادتها السياسية.
انهارت المفاوضات التجارية بين اثنين من أقرب حلفاء العالم، وتبادل الطرفان الاتهامات، لتدخل التعريفات الأميركية البالغة 50% على سلع كندية بقيمة 20 مليار دولار حيز التنفيذ يوم السبت الماضي. وأعلنت كندا أنها سترد على أي تعريفات بفرض رسوم بنفس القيمة بدءًا من 8 سبتمبر المقبل.
وبعد أيام، هدد الرئيس دونالد ترامب مجدداً برفع الرسوم على السيارات الكندية وقطع غيارها والصلب إلى 50% اعتباراً من أول يناير. وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي: «لسنا بحاجة إلى كندا، بل هم من يحتاجون إلينا!»
ولم تتضح التنازلات التي دفعت كارني إلى الانسحاب، لكنه وصف الأمر بأنه «مسألة سيادة». وصرح للصحفيين بأن الولايات المتحدة أرادت في اللحظات الأخيرة من المفاوضات تقييد قدرة كندا على إبرام اتفاقيات تجارية مع دول أخرى، وهي خطوة محورية في استراتيجية كندا الاقتصادية طويلة الأمد في مواجهة سياسات ترامب العدائية.
كما أشار إلى أن الولايات المتحدة اعترضت على متطلبات اللغة في كندا. وتخضع حماية اللغة الفرنسية لرقابة صارمة في كيبيك، حيث الفرنسية هي اللغة الرسمية. وهذا ما يجعل المطالب المتعلقة باللغة شديدة الحساسية في كندا ثنائية اللغة، التي تعتمد رسمياً اللغتين الإنجليزية والفرنسية.
وقالت رئيسة وزراء كيبيك، كريستين فريشيت، للصحفيين منذ أيام: «ثقافتنا ولغتنا أساسيتان لهويتنا، ومن المهم استبعادهما من طاولة المفاوضات».
وقد أيد جميع رؤساء وزراء الولايات الكندية قرار رئيس الوزراء الكندي بالانسحاب من المفاوضات. كما أيده ثلاثة أرباع المشاركين الكنديين في استطلاع رأي جديد أجرته مؤسسة أنغوس ريد.
لكن العمل الأصعب يبدأ الآن، حيث أظهر تقرير جديد لبنك «تي دي» أن الرسوم الأميركية قد تقتطع ما بين 0.3 و0.6 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي لكندا، دون احتساب الدعم الذي يُتوقع أن تقدمه الحكومة الفيدرالية هذا الأسبوع للشركات المتضررة. ولا يشمل التقييم الرسوم المضادة التي هددت كندا بفرضها.
ورغم تأكيد دوايت دنكان، وزير المالية السابق في مقاطعة أونتاريو، أن إصرار دولة على الدفاع عن قضية ما قد يتجاوز مجرد حسابات «الدولارات والسنتات»، إلا أن لا يخفي قلقه من التداعيات الاقتصادية، وهي مخاوف يتقاسمها كثير من الكنديين، إذ قال اثنان من كل خمسة مشاركين في استطلاع أجرته مؤسسة «أنغوس ريد» إنهم يخشون أن تؤثر الصفقة التجارية سلباً على أمنهم الوظيفي. 
ويؤكد دنكان أن كندا لا تستطيع ببساطة قطع علاقاتها بالولايات المتحدة، لكنها تحتاج إلى تنويع علاقاتها التجارية وعدم الاعتماد على واشنطن وحدها لحماية سيادتها ومصالحها، معتبراً أن الأحداث الراهنة تعتبر «لحظة فارقة» في تاريخ كندا.
وقد يدفع هذا التحول قوى متوسطة أخرى إلى التكاتف. ويرى بيتر جونز، أستاذ الشؤون الدولية بجامعة أوتاوا، إن كندا كانت تؤدي دورها كقوة متوسطة خلال الحرب الباردة في إطار نظام متعدد الأطراف صممته الولايات المتحدة إلى حد كبير، لكن هذا النظام لم يعد قائماً بالشكل نفسه اليوم، فيما تراقب أغنى دول العالم، مثل اليابان وأستراليا والمملكة المتحدة ودول أوروبية أخرى تكيف الحليف الأميركي السابق مع واقع جيوسياسي جديد.
ورغم أن كندا أكثر عرضة للخسارة بسبب الفارق الاقتصادي والقوة مع الولايات المتحدة، فإن موقفها الصلب قد يمنحها نفوذاً أكبر في المفاوضات المقبلة. وإذا أدى موقف ترامب إلى فقدان الدعم داخل الولايات المتحدة، فقد يُنظر إلى ذلك باعتباره انتصاراً لنهج كارني.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور» 
*كاتبة متخصصة في الشؤون الكندية



إقرأ المزيد