جريدة الإتحاد - 8/31/2026 10:39:57 PM - GMT (+4 )
أتعرفون الإمارات؟ لا تسألوا عنها مَنْ جعل خصومتها باباً للاسترزاق، وجعل الحديث عنها تجارة، وجلس كل صباح يحرّض عليها ويلفّق لها التّهم، فإن القلب إذا امتلأ بالضغينة عميت العين عن الشمس وهي في كبد السماء.
سلوا عنها مَن عاش فيها.
سلوا ذلك العربي أو الأجنبي الذي جاءها وفي جيبه شهادة، وفي رأسه حلم، فوجد عملاً، ثم فتح له العمل باباً بعد باب، حتى صار له بيت ومستقبل وأبناء نشؤوا على أرضها، فأصبحت الإمارات تسري في أرواحهم.
وسلوا المستثمر لماذا وضع ماله فيها، والعالِم لماذا قصد جامعاتها، وصاحب الفكرة لماذا جاء بفكرته إليها، والعائلة التي جاءت من بعيد لماذا اختارتها مستقراً لأبنائها.
لقد صارت الإمارات اليوم حلماً لكثير من الشباب العربي وغيرهم، يحلم أن يعمل فيها، أو يدرس في جامعاتها، أو يؤسّس شركته على أرضها، أو يجعلها مستقراً له ولأسرته. وهذه منزلة صنعتها أعوام من العمل والتنمية والأمن والاستقرار والثقة.
الإمارات أمن وأمان واستقرار. والأمن فيها شعور يسري في تفاصيل الحياة، أن تخرج المرأة مطمئنة، وأن يعود الطفل من مدرسته إلى بيته آمناً، وأن يمضي الإنسان في يومه وهو يعرف أن القانون يحفظ حقه، وأن يضع التاجر والمستثمر ماله في مشروع وهو واثق من المستقبل، وأن يأتي الغريب إلى بلد يبعد عن وطنه آلاف الأميال ثم يألفه حتى تصير الإمارات وطناً له.
إنها من أعجب خصائص التجربة الإماراتية: أن يعيش على أرضها هذا العدد الكبير من الأمم والألسنة وأهل الأديان، ثم تمضي الحياة بينهم في أمن وانسجام، وتبقى للمجتمع هويته، وللناس حرياتهم وخصوصياتهم. وقد امتد أثر الهوية الإماراتية من حدود مواطنيها إلى وجدان الذين ألفوا هذه الأرض وعاشوا عليها، فتسمع من المقيم محبّة للإمارات، واحتراماً لها، وتقديراً لقيادتها وشعبها، وشعوراً بأنه يشارك، بطريقته، في قصة نجاحها.
وإن شئتم الأرقام، فالأرقام كثيرة، وإن شئتم الشواهد، فالشواهد أكثر. لقد قدّمت الإمارات صورة مختلفة للشرق الأوسط، صورة الدولة التي جعلت الإنسان والتنمية والاستقرار غايات كبرى، وفتحت أبوابها للعلم والاقتصاد والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، حتى أصبحت تجربتها نموذجاً تتطلع إليه المنطقة بأسرها.
وإذا أردتم الفكر، فانظروا إلى الإمارات مرة أخرى.
قرأنا في كتب الفلاسفة عن المدينة الفاضلة، وقرأنا في التاريخ عن مدن ازدهرت حتى أصبحت ملتقى للعلماء والتجار والأديان والثقافات، وقرأنا عن الأندلس حين اتسعت مجالسها للعلم والفكر والأدب والفلسفة والتواصل والألفة بين الناس. واليوم تصنع الإمارات مدينتها ومدنيّتها بطريقتها، وفي زمنها، وبعقلها، مدينة يصنعها فكر متجدّد، وتبنيها قيادة حكيمة وشعب محبُّ لوطنه، تزخر بالجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات الثقافية والفكرية، وتمتد فيها مختبرات المعرفة ومشروعات الذكاء الاصطناعي، وتأتي إليها العقول من أنحاء العالم، علماء وباحثون ومفكرون وأصحاب أفكار، يجدون فيها بيئة للعلم والعمل والإبداع.
ويمتد اسم الإمارات إلى ميادين العطاء الإنساني وإغاثة المنكوبين ومساندة المحتاجين وصناعة السلام والوساطة بين المتخاصمين. فالخير فيها جزء من فلسفة الدولة، والعطاء خُلُق صاحب مسيرتها منذ أيام الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، وظل ممتداً في نهج قيادتها وشعبها.
وقد يقول قائل: إذا كانت هذه الإمارات، فمن أين يأتي كل هذا الذي يقال عنها؟
وأقول: وهل سَلِم ناجح من حاسد؟
بعض الناس جعل الإمارات ستاراً يغطي به فشله، كلما انكشف عجز بحث عن اسمها، وكلما ظهرت أزمة ألقى بها في طريقها، ثم أنفق المال، وجنّد المنصات والحسابات، وأدار ماكينة الإشاعة والتحريض والتلفيق. يريد أن يقنع الناس بأن سبب عجزه هناك، في الإمارات، كي يهرب من السؤال الذي يخشاه: ماذا صنعتَ أنت لوطنك؟
والعجيب أن الإمارات في الوقت نفسه مشغولة بعمل آخر.
الإمارات مشغولة بصناعة الإنجاز. مشغولة باستقطاب الشركات العالمية، وبناء اقتصاد المستقبل، وتطوير جامعاتها، واستثمار عقول أبنائها، وجذب المواهب، وفتح أبواب جديدة للحياة. يريدون أن يشغلوها بأنفسهم، وهي مشغولة بنفسها، يريدون إرباك المسيرة بالالتفات إلى الوراء، وعيناها معلّقتان بالمستقبل.
تمرُّ الأيام، ويذهب كثير مما كتبوا كما تذهب الكلمات التي وُلدت لتموت، ويبقى ما صنعته الإمارات على الأرض، وما استقر في حياة البشر، وما فتحته للأجيال من أبواب، وما زرعته في النفوس من أمن وتنمية، وما تركته في الزمن من أثر.
تعمل الإمارات في الزمان وتتسابق معه، بينما يعملُ رعاةُ السوء في صنع الأوهام التي ترتد عليهم خيبةً وخسراناً، ولله في خلقه شؤون.
*مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.
إقرأ المزيد


