جريدة الإتحاد - 8/31/2026 10:49:27 PM - GMT (+4 )
ينتابني شعور بالألم والأسى على ما تعانيه الدول الأفريقية من أمراض وأوبئة، ولا أستوعب ونحن في قلب القرن الواحد والعشرين أن هناك شعوباً لا تزال تعاني وتفتك بها الملاريا أو الإيدز أو إيبولا، على سبيل المثال. والواقع المؤسف أن القارة السمراء تُعد واحدة من أكثر مناطق العالم عُرضة لتفشي الأمراض الفتاكة، وتُشكّل منطقة حوض الكونغو «قلب الأوبئة»، حيث تضم نحو 300 نوع من مسببات الأمراض، مما يجعلها بؤرة دائمة لانتشار الأمراض المعدية.
الملاريا وإيبولا - على وجه التحديد- في مقدمة التحديات التي تكشف حجم المأساة التي تعانيها القارة، وإنْ كان كل منهما يمثّل نوعاً مختلفاً من الخطر، فالملاريا مرض متوطّن يفتك بمئات الآلاف سنوياً، بينما يظهر إيبولا في موجات وبائية حادة وسريعة، قادرة على إرباك المجتمعات والأنظمة الصحية في وقت قصير. وتكمن خطورة الملاريا في أنها أصبحت بالنسبة إلى ملايين الأفارقة جزءاً من الحياة اليومية، ومؤخراً كشفت الكونغو الديمقراطية عن إصابة أكثر من 26 مليون شخص بالملاريا ووفاة 30 ألف حالة بسببها العام الماضي، ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية لا يزال الوباء يقتل مئات الآلاف من الأشخاص كل عام في أفريقيا، ويعتبر الأطفال الصغار الضحايا الرئيسيين.
أما إيبولا فيمثّل وجهاً مختلفاً، إنه مرض شديد الخطورة، ينتشر بسرعة داخل الأُسر والمجتمعات، ومنذ مايو الماضي أعلنت منظمة الصحة العالمية أن تفشِّي «إيبولا» في الكونغو الديمقراطية وأوغندا يمثّل حالة طوارئ، ووفق توم فليتشر، وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسّق الإغاثة في حالات الطوارئ، فإن الفيروس يودي بحياة شخص كل ثلاثين دقيقة، محذِّراً من أن «هذا التفشي يُعد الأسرع انتشاراً على الإطلاق».
وعلى مدار الخمسين عاماً الماضية أودى فيروس إيبولا بحياة 15 ألف شخص في أفريقيا، حيث امتد التفشي الأكثر فتكاً وحصد أرواح أكثر من 11 ألف شخص، من بين 28 ألف إصابة في غرب أفريقيا، بين عامي 2014 و2016، أما التفشي الحالي للفيروس فقد تسبّب حتى الآن في وفاة أكثر من 2700 شخص من بين نحو ستة آلاف مصاب، مما يجعل هذا التفشي الأكثر فتكاً في التاريخ.
وتكمن صعوبة مواجهة التفشي الحالي في أنه ناجم عن سلالة نادرة تُعرف باسم فيروس بونديبوجيو، كما أن المشكلة ليست في الفيروس أو الطفيل وحده، وإنما في البيئة التي يجد فيها المرض فرصة للانتشار، ففي الكونغو الديمقراطية تحديداً، تعمل الفرق الصحية في بيئة إنسانية وأمنية صعبة، بينما تُمثِّل حركة السكان والتجارة عبر الحدود تحدياً إضافياً أمام احتواء المرض.
وأعلنت لجنة الطوارئ التابعة لمنظمة الصحة العالمية، في مايو الماضي، أن التفشي يشكّل «طارئة صحية عامة تثير قلقاً دولياً»، وهو ثاني أعلى مستوى إنذار لدى المنظمة، وقد طال الفيروس مناطق في شمال البلاد وشرقها، حيث حضور الدولة ضعيف جداً والبنى التحتية الصحية شبه معدومة، ويزداد الأمر صعوبة في ظل انعدام الأمن بسبب نشاط الجماعات المسلحة في تلك المناطق.
ومن أجل ذلك، فإن دعم أفريقيا في مواجهة الأوبئة ليس عملاً خيرياً فقط، بل هو استثمار في الأمن الصحي العالمي، وبرؤية استباقية من منطلق أن (الوقاية خير من العلاج)، ليس على المجتمع الدولي انتظار ظهور الوباء ثم إرسال المساعدات، وإنما يجب المساعدة في بناء أنظمة صحية قادرة على اكتشاف المرض مبكراً، وتوفير المختبرات والأدوية واللقاحات وتدريب الكوادر وتعزيز شبكات المراقبة الوبائية، ودعم أفريقيا لإنتاج مستلزماتها الطبية محلياً.
إن المعركة الحقيقية ليست فقط ضد الفيروسات والطفيليات، وإنما ضد الفقر والضعف الصحي والتهميش الذي يمنح تلك الأمراض القدرة على الفتك بالشعوب. وهنا تأتي أهمية الدور الإنساني للإمارات، فبتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، قدّمت الإمارات دعماً لتعزيز جهود منظمة الصحة العالمية لاحتواء تفشي فيروس إيبولا، كما سيّرت شحنةً جوية ضمّت المستلزمات الطبية اللازمة لتعزيز جهود المكافحة، ودعم العاملين في الخطوط الأمامية للرعاية الصحية في مناطق الإصابة. دعم الإمارات لجهود احتواء تفشي إيبولا يأتي امتداداً لرؤية القيادة، التي تضع كرامة الإنسان وحماية حياته أساساً في مجال العمل الإنساني للدولة، تجسيداً لنهج يقوم على تعزيز العمل الإنساني والطبي من خلال خطوات ملموسة وفاعلة، تساند المجتمعات المتأثرة وتُعزّز قدرتها على مواجهة الأزمات الصحية.
إقرأ المزيد


