جريدة الإتحاد - 8/31/2026 11:43:18 PM - GMT (+4 )
لن يتحدد مستقبل الولايات المتحدة بما تبنيه فحسب، بل أيضاً بالمكان الذي تبنيه فيه. وقد أصبحت مراكز البيانات جزءاً لا يتجزأ من الحياة الأميركية، فهي تشغل محركات البحث، وأنظمة الملاحة عبر نظام تحديد المواقع العالمي، وأنظمة الرعاية الصحية، وغيرها. لكن مع استثمار الشركات في البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي، تندلع صراعات شرسة على استخدام الأراضي في المجتمعات المحلية في مختلف أنحاء البلاد. ويعارض نحو 3 من كل 4 أميركيين إقامة مركز بيانات في مجتمعهم. وقد حشدت حملات المعارضة المحلية جهودها لوقف مشروعات مراكز البيانات في المناطق التي تشهد تركزاً كبيراً لهذه المراكز.
لكن الأمر لا يجب أن يكون على هذا النحو. فماذا لو تمكّنت الشركات من إقامة مراكز بيانات على الأراضي الصناعية الملوثة ومواقع برنامج «سوبرفند»، مقابل تنظيف هذه الأراضي؟
وتظل تلك المواقع، التي تلوثت بالنفايات الخطرة، دون معالجة لعقود بسبب تكلفة إعادة تطويرها وعدم اليقين القانوني المحيط بها. ولا يزال أكثر من 1300 موقع من مواقع «سوبرفند»، وهي أكثر المواقع تلوثاً التي حددتها الحكومة الفيدرالية، مدرجاً في قائمة الأولويات الوطنية، بينما تنتشر في أنحاء البلاد نحو نصف مليون من مواقع الأراضي الصناعية الملوثة أو المتروكة، وفق التقديرات. وأنفقت الحكومة الفيدرالية أكثر من مليار دولار العام الماضي على تنظيف مواقع «سوبرفند».
وفي الوقت نفسه، تتدفق مليارات الدولارات الخاصة إلى مراكز بيانات جديدة لتلبية الطلب المتزايد على الذكاء الاصطناعي. وهذا يتيح فرصة مهمة حيث ينبغي للسياسات أن تجعل إقامة مراكز البيانات على مواقع «سوبرفند» والأراضي الصناعية الملوثة أسهل، بدلاً من إقامتها على الأراضي الزراعية والمناطق الطبيعية. وفي مقابل الحصول على هذه العقارات، يمكن للشركات تنظيف الأراضي وإعادة تطويرها بعد سنوات من إهمالها.
غير أن الأبحاث المتعلقة بالمواقع التي تصلح لإقامة مراكز البيانات عليها لا تزال محدودة. وفي الشهر الماضي، أصدر الرئيس دونالد ترامب أمراً تنفيذياً يسعى إلى معالجة جزء من المشكلة، إذ وجّه وكالة حماية البيئة إلى تحديد العقارات الملوثة الأكثر ملاءمة لإعادة استخدامها من جانب مراكز البيانات.
لكن الأمر التنفيذي وحده لن يكون كافياً. ويحتاج الكونجرس إلى توفير قدر من اليقين القانوني للشركات الراغبة في بناء مراكز البيانات، إلى جانب وضع إطار يتيح للمجتمعات المحلية تقييم ما إذا كانت تريد السماح بإقامة هذه المشروعات لديها.
وبمجرد تحديد موقع مناسب، يمكن للشركات التقدم بطلب لإقامة مجمع لمراكز البيانات فيه، مع الالتزام بتنظيف الأرض وفق المعايير المعمول بها. وبعد ذلك، يخضع المشروع لمراجعة بيئية مُعجّلة.
كما يجب أن تحصل الشركات التي تتطوّع لمعالجة المواقع الملوثة على حماية من المسؤولية القانونية على غرار الحماية المطبقة بالفعل في عمليات تنظيف المناجم المهجورة، حتى لا تتحمل مسؤولية التلوث الذي لم تتسبب فيه. ومن شأن ذلك تقليل المخاطر القانونية المرتبطة بإعادة تطوير مواقع «سوبرفند»، وهي أحد الأسباب الرئيسية، التي تدفع الشركات إلى تجنب هذه المواقع حالياً.
وبدلاً من بناء مراكز البيانات على الأراضي الزراعية أو داخل المناطق الطبيعية، ينبغي لشركات الحوسبة السحابية العملاقة بناؤها في أماكن مهجورة بالفعل. وغالباً ما تكون هذه المواقع مهيأة بصورة جيدة لإعادة التطوير بفضل تصنيفها الصناعي، وإمكانية الوصول إليها عبر وسائل النقل، ووجود البنية التحتية للمرافق بها. وإذا وُضع مثل هذا الإطار القانوني، فسيكون بإمكان الولايات والمجتمعات المحلية بعد ذلك تحديد السبل التي تريد من خلالها جذب الشركات إلى مناطقها، من خلال حوافز مالية أو تنظيمية وغيرها.
ويعيش أكثر من 70 مليون أميركي على مسافة لا تتجاوز ثلاثة أميال من مواقع ملوثة، مما يعرض العديد من المجتمعات لمخاطر صحية. ومن شأن تشجيع مراكز البيانات على تنظيف هذه المواقع حماية المجتمعات، إلى جانب تحقيق فوائد اقتصادية محلية، مثل توفير الوظائف وزيادة الإيرادات الضريبية. وبدلاً من أن تظل مواقع الأراضي الصناعية الملوثة ومواقع «سوبرفند» التزامات قائمة منذ عقود، يمكن أن تتحول إلى مناطق للاستثمار والتجديد، إذا شجع صانعو السياسات مراكز البيانات على قيادة هذا التحول.
ولن يحل هذا الإطار جميع مشكلات المجتمعات المحلية ومخاوفهم، فقد يظل المعارضون قلقين من استهلاك مراكز البيانات كميات كبيرة من المياه أو ارتفاع تكاليف الطاقة. مع ذلك، يُعد هذا النوع من السياسات الإبداعية التي تحقق مكاسب للجميع، والتي تحتاجها الولايات المتحدة بشدة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*رئيس الائتلاف الأميركي للحفاظ على البيئة.
إقرأ المزيد


