جريدة الإتحاد - 9/4/2026 12:43:30 AM - GMT (+4 )
من الآيات الفريدة التي تثير اهتمامي أكثر، والتي ما أفتأ أنبّه عليها، قوله تعالى «وقل رب زدني علماً»، هي آية فريدة لأنها تنبه على أن الشيء الوحيد الذي يستحق طلب الزيادة منه هو العلم، لكن أي علم، إنه العلم بإطلاق، فالتنوين والتنكير الذي في «علماً» يفيد الاستغراق والشمول، وهو ملحظ جميل يفتح باب المعرفة على مصراعيه، ولعل هذا ما فهمه المتنورون الأوائل من فلاسفتنا وفقهائنا وغيرهم ممن انفتح على مكتسبات الفكر الإنساني ولم يولِّ ظهره المعارف المتاحة في عصره فكرع من معينها بشغف، ودبّج فيها مصنفات كُثْر لا تزال اليوم تتحدى الزمن.
لكن، وكما هو الأمر في كل الثقافات الإنسانية القديمة، لم تخلُ المدينة العربية من حَمَلة علم وضعوا خطاً فاصلاً بين علوم محمودة، وعلوم وصموها بالعلوم مذمومة، فأصبح العلم خاضعاً لمطرقة التّحريم والتحليل، فضمّت العلوم الأولى كل منتجات العقل البياني العربي من فقه وتفسير وحديث وعلوم آلة، في حين ضمّت العلوم الأخرى كل ثمرات العقل الإنساني من منطق وفلسفة وكلام، وقد أدّى هذا الأمر، مع الزمن، إلى ضمور في الإقبال على العلوم العقلية التي هي أساس العمران البشري وتضخّم المتن النقلي بشكل كبير تجاوز الحاجيات المطلوبة للمجتمع المسلم، وبخاصة في زمان سيادة التّقليد الذي بدأ من القرن الخامس كما نبّه ابن رشد نفسه.
لم يعُد العلم اليوم يخضع لمطرقة التحريم إلا عند عقول غير بصيرة بزمانها وذاهلة عن التحولات التي وقعت فيه بسبب التطور العلمي، الذي وضع لبنته الأولى أرسطو عندما قعَّد العلوم، ووضع لها مبادئها وتقسيماتها وأثراها بمحتوى صمد لقرون، وأسهم في تطوره العرب بمؤلفات لا تزال تستعصي على الحدثان، ولعل نموذج ابن الهيثم، وما صنعه مع غيره من علماء العرب، في إنضاج علم الفلك ليقطف ثمرته كوبرنيك أكبر مثال على الإسهام العربي الكوني في المعرفة العلمية.
إن العلم هو قراءة موضوعية غير ذاتية للواقع، وعندما تتدخل الذاتيات والنّظّارات الإيديولوجية يفسد العلم. فلا ملاك للعلم سوى الفكر النقدي الذي هو المهيع اللاحب إلى الوضوح والتميز والبيان. وليست الفلسفة بهذا المعنى إلا امتداداً حقيقياً للعلم كما يذهب برجسون.
لقد أقبل كثير من أهل العلم في ثقافتنا على العلوم النقلية والعلوم العقلية ونهلوا منها، وعرف المسلمون أن المعرفة العلمية لا تنشأ إلا باصطناع منهج قوي قادر على سبر أغوار الواقع، ولابن الهيثم نفسه في كتابه «الشكوك على بطليموس»، وفي كتابه في «المناظر»، نظرات منهجية قوية تبرز أن العقل العربي لم يكن عقلاً هشّاً، بل كان عقلاً صارماً ينشئ المعرفة بأدوات الشكّ والنّقد والتّمحيص وتقليب الرأي من أوجهه المختلفة، ولم يكن يُقدّس عالماً كيف ما كانت مرتبته العلمية، ويعتبر أن الحق أحق أن يُتّبع، فكان نقد الفلاسفة الكبار وعلمائهم من علماء الفلك الكبار النقد الموضوعي سبيلاً إلى اكتشاف طرق جديدة في رؤية العالم..
لقد كان التّفرغ للعلم والبحث عن الحقيقة دَيْدَنُ علمائنا، وكانوا يسعون إليها بهمّة وإخلاص، وهو ما جعلهم مساهمين في التراكم العلمي. وقد حكى ابن رشد عن نفسه أنه ما ترك القراءة طول حياته إلا مرتين، حين وفاة والده ويوم زواجه.
فقد عاش أبو الوليد في محراب العلم بياض حياته، وكان نتيجة ذلك متن علمي ضخم يجمع إلى جانب العلوم النّقلية علوما فلسفية كان لها أكبر الأثر على العالمين الإسلامي واللّاتيني على السّواء، والعلماء الذين شرَّفوا بوجودهم الحضارة الإنسانية وأسهموا في بنائها لم يكونوا بمنأى عن هذا التقليد، وكثير منهم عاشوا رهباناً ونساكاً، ولا يزالون يعيشون اليوم، في مختبراتهم العلمية ليقْدَحُوا شمعة تضيء للإنسانية دياجير الجهل وتفتح لها غياهب المستقبل.
*مدير مركز الدراسات الفلسفية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.
إقرأ المزيد


