جيل جديد يرسِّخ حضوره على خريطة الفن العربي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

علي عبد الرحمن (القاهرة)
لم تَعُد النجومية في الفن العربي تسير وفق القواعد التي اعتادت عليها الصناعة لسنوات طويلة، فالأسماء التي رسَّخت حضورها وتصدَّرت المشهد لا تزال تحتفظ بثقلها الجماهيري، لكن إلى جوارها بدأ جيل جديد في بناء مساحة خاصة به، مستفيداً من التحوّلات التي طرأت على سوق الترفيه، وانتشار المنصّات الرقمية، وتغيّر اهتمامات الجمهور. وتبدو ملامح هذا التغيير أكثر وضوحاً في الدراما، التي أصبحت تمنح المواهب الشابة أدواراً تتجاوز الصورة التقليدية للشاب الذي يظهر في دور الابن أو الصديق أو الشخصية المساندة، وأصبح من الممكن أن يتحوّل صاحب الدور اللافت إلى أحد العناصر الرئيسة في العمل، بل إلى بطله في بعض الحالات. الصفوف الأولى برزت أسماء جديدة مثل مصطفى غريب، وميشيل ميلاد، وعصام عمر، وطه دسوقي، ونور خالد النبوي، وأحمد مالك، إلى جانب مجموعة من الفنانات الشابات، بينهن مايان السيد، وياسمينا العبد، في مشهد يعكس اتساع دائرة المواهب التي تبحث عن موقعها في الصفوف الأولى. وتكشف الأعمال التي جمعت بعض هذه الوجوه الصاعدة بنجوم أكثر خبرة عن طبيعة المرحلة الجديدة، في مسلسل «هي كيميا»، على سبيل المثال، جمع بين أسماء من أجيال مختلفة، وأتاح للشباب مساحة للحضور إلى جانب فنانين يمتلكون رصيداً طويلاً في الدراما. ولم تَعُد العلاقة بين الجيلَين قائمة على فكرة النجم الرئيس ومَن يدور في فلكه، وإنما أصبحت الشاشة نفسها مساحة لتبادل الخبرات وإظهار قدرات المواهب الجديدة. اختبار حقيقي تتكرر هذه المعادلة في عدد من الأعمال السينمائية والدرامية، حيث يجد الفنان الشاب نفسه أمام اختبار حقيقي إلى جوار نجوم يمتلكون خبرة واسعة وجمهوراً مستقراً. ويرى الناقد محمد نبيل، أن انتقال الفنان إلى مساحة البطولة يرتبط، إلى جانب الموهبة، بقدرته على اختيار المشروع المناسب وفهم المسؤولية التي تفرضها الشخصية الرئيسة. ومن هذه الزاوية، تبدو النجومية الجديدة أكثر ارتباطاً بالاختيار والاستمرارية، لا بمجرّد تحقيق انتشار سريع أو لفت الأنظار في عمل واحد. وفي الوقت نفسه، يفرض عصام عمر نموذجاً مختلفاً لصعود الجيل الجديد، فقد تمكّن خلال فترة قصيرة من الانتقال من الأدوار المحدودة إلى البطولات، وأصبح اسمه مرتبطاً بأعمال تمنحه مساحة أكبر للتعبير عن قدراته، وفي رمضان الماضي، واصل حضورَه من خلال «عين سحرية»، في تجربة وضعته أمام أسماء ذات خبرة مثل باسم سمرة، وعمرو عبدالجليل. أما طه دسوقي، فقد استطاع بناء شخصية فنية خاصة من خلال الجمع بين الكوميديا والدراما، بينما يمثِّل أحمد مالك، حالة أكثر تراكماً، بعدما بدأ في سن صغيرة ومر بتجارب متنوّعة في السينما والتلفزيون، ما جعله أحد أكثر أبناء جيله خبرة في الانتقال بين الأدوار والأنماط المختلفة. وفي الجيل نفسه، يبرز نور النبوي، الذي تمكن خلال السنوات الأخيرة من توسيع حضوره بين السينما والدراما، بينما تواصل مايان السيد، وياسمينا العبد، ترسيخ وجودهما بين الوجوه النسائية الجديدة، وتكشف هذه الأسماء عن اتساع مساحة الفنانات الشابات أيضاً، بعدما أصبحت البطولات النسائية أكثر تنوّعاً، وأصبحت المنصّات تُتيح لهن الوصول إلى جمهور عربي أوسع. تجاور الأجيال اللافت أن صعود هؤلاء الفنانين لا يحدث في فراغ، ولا يشترط تراجع نجوم الصف الأول، فالمشهد الحالي يقوم بدرجة كبيرة على التجاور بين الأجيال، فنجوم مثل كريم عبدالعزيز، وأحمد عز، وأحمد السقا، وأحمد حلمي، ومنى زكي، وسواهم، لا يزالون يمتلكون حضوراً جماهيرياً وإنتاجياً كبيراً، بينما يكتسب الجيل الجديد خبرته من خلال العمل إلى جوارهم أو الاستفادة من المنظومة الفنية التي صنعوها عبر سنوات. وفي السينما، أصبح هذا التداخل أكثر وضوحاً، إذ تضم بعض الأعمال أسماء مخضرَمة إلى جانب فنانين في بداية طريقهم، ما يمنح الشباب فرصة الظهور أمام جمهور أوسع، وبالمقابل تستفيد الأعمال من الطاقة المختلفة التي يقدِّمها هؤلاء الشباب، سواء على مستوى الأداء أو طريقة التواصل مع الجمهور. وتلعب المنصّات الرقمية دوراً رئيساً في تسريع هذه العملية، فالجمهور لم يَعُد يتعرّف إلى الفنان من خلال التلفزيون والسينما فقط، وإنما عبر المقاطع القصيرة ووسائل التواصل الاجتماعي والمحتوى الرقمي، وأصبح من الممكن أن يتحوّل أداء صغير أو شخصية ثانوية إلى نقطة انطلاق نحو انتشار واسع، خصوصاً إذا ارتبط الفنان بشخصية محبوبة أو مشهد يلقى تفاعلاً جماهيرياً. المحطة الأصعب غير أن الانتشار لا يعني بالضرورة اكتمال النجومية، فالمحطة الأصعب أمام الجيل الجديد هي الحفاظ على الحضور بعد النجاح الأول، وتجنّب تكرار الشخصية نفسها، واختيار أعمال تسمح بتطوير الأدوات بدل تثبيت الفنان داخل قالب واحد، وهذه المرحلة تحديداً هي التي سيخوضها عدد كبير من النجوم الشباب خلال السنوات المقبلة. وقد تبدو المنافسة بين الأجيال أكثر تعقيداً من مجرد صراع بين أسماء قديمة وأخرى جديدة، فالنجوم الكبار يمتلكون رصيداً من الأعمال والخبرة والجمهور، بينما يدخل الشباب إلى المشهد بأدوات العصر الجديد، وفي مقدمتها سرعة الانتشار والقدرة على مخاطبة جمهور المنصات والانفتاح على أشكال مختلفة من المحتوى. وفي هذا السياق، يصبح مصطفى غريب، وميشيل ميلاد، مثالَين ضمن ظاهرة أوسع، لا عنواناً وحيداً لها. فإلى جوارهما تتشكل مجموعة كبيرة من المواهب التي تسعى إلى الانتقال من مرحلة «الفنان الشاب» إلى مرحلة الاسم الذي يستطيع قيادة عمل كامل، ويختلف الطريق من فنان إلى آخر، بعضهم يأتي من المسرح، وبعضهم من التلفزيون، وآخرون من السينما أو المحتوى الرقمي، لكن القاسم المشترك هو الرغبة في بناء مسيرة تتجاوز الظهور العابر. أبواب إضافية وفي حين يستمر نجوم الصف الأول في تقديم الأعمال التي تحمل أسماءهم، يبدو أن الصناعة نفسها تفتح أبواباً إضافية أمام الوجوه الجديدة، ولذلك فإن المرحلة المقبلة لن تكون بالضرورة مرحلة استبدال نجوم بآخرين، وإنما مرحلة توسيع دائرة النجومية لتضم أكثر من جيل في الوقت نفسه. كما أن صعود الأسماء الجديدة لا يعني نهاية زمن النجوم الكبار، كما أن استمرار الكبار لا يعني بقاء الشباب في الصفوف الخلفية. ما يحدث هو انتقال تدريجي في شكل الصناعة، تتجاور خلاله الخبرة مع الطموح، والنجومية الراسخة مع المواهب التي تبحث عن فرصتها، ومن هذه المساحة المشتركة تتشكَّل ملامح جيل جديد، قد يكتب خلال السنوات المقبلة أسماءه بثبات أكبر على خريطة الفن العربي.



إقرأ المزيد