تفاقم الأزمة الاقتصادية في سوريا ومظاهرات تندد بظروف المعيشة وارتفاع الأسعار
صوت الإمارات -
تفاقم الأزمة الاقتصادية في سوريا ومظاهرات تندد بظروف المعيشة وارتفاع الأسعار

اندلعت خلال الشهر الماضي احتجاجات في الساحات والشوارع في أنحاء سوريا، حيث أشعل المحتجون الإطارات وأغلقوا الطرق وهتفوا بشعارات تعبر عن غضبهم من قرار الحكومة برفع أسعار الوقود مجدداً، في أكبر مظاهرة تعكس حالة الاستياء منذ تولي الرئيس المؤقت أحمد الشرع السلطة قبل عامين. وقال أحد المواطنين في تصريح تلفزيوني إنه لا يزال يدعم السلطات، لكن وضعه المعيشي تدهور لدرجة أنه لم يعد قادراً على شراء الخبز، بينما أكد مواطن آخر أن السكان باتوا يخشون ما قد تحمله لهم القرارات الحكومية الجديدة في كل صباح.
وتأتي هذه الزيادة ضمن سلسلة من الإجراءات التي يرى المواطنون أنها السبب وراء تفاقم أزمة غلاء المعيشة. فبالنسبة لكثير من السوريين، تدهورت أوضاعهم المالية منذ الإطاحة بالرئيس بشار الأسد، منهيين بذلك خمسة عقود من حكم عائلته وأكثر من 13 عاماً من الحرب الأهلية المدمرة. ومنذ وصوله إلى سدة الحكم، قاد الشرع عملية الانتقال في سوريا وسعى لإحياء اقتصاد متهالك عانى طويلاً من سوء الإدارة والعزلة والصراعات. ولم يكن هناك أدنى شك في مدى صعوبة هذه المهمة، لكن السوريين الذين احتفلوا بسقوط النظام وبحريتهم الجديدة ربما بالغوا في تفاؤلهم بسرعة تحسن الأمور، حيث لم يتحقق التحسن المطلوب وأثار أسلوب إدارة الاقتصاد حالة من الإبطاء والإحباط لدى الكثيرين.
وارتفعت تكاليف كل شيء تقريباً، بدءاً من الفواتير الأساسية وصولاً إلى السلع الضرورية. واعتبر الكثيرون أن الارتفاع الإضافي غير المتوقع في أسعار الوقود دليل على انفصال الحكومة عن واقع البلاد. وفي رسالة موجهة إلى الشرع، قال أحد المحتجين إن المواطنين لا يريدون بناء دوارات مرورية جديدة في كل يوم، مؤكداً أن الشعب وقف إلى جانبه ولا يزال يدعمه، لكن مثل هذه التصرفات ستؤدي إلى انفجار الأوضاع. وبعد أيام وفي ظل دعوات لتنظيم المزيد من المظاهرات، أُلغي قرار رفع الأسعار.
وفي إحدى ضواحي دمشق، تتحدث فاطمة صالح عيد، البالغة من العمر 50 عاماً والتي تعمل في مهنة التنظيف للمساعدة في إعالة أسرتها، عن حجم المعاناة قائلة إن زوجها حصل مؤخراً على وظيفة في مصنع للسيراميك بعد عام كامل من البطالة، ليُعد بذلك من المحظوظين مقارنة بالكثيرين الذين يواجهون صعوبات بالغة في العثور على عمل. ويشهد العديد من الشوارع تجمع الرجال على أمل العثور على عمل يومي دون جدوى.
وعمدت الحكومة الجديدة إلى خفض الدعم الذي كان قائماً منذ زمن طويل كجزء من سياسة تقشفية، حيث ارتفع سعر الخبز عشرة أضعاف، وأصبحت أسعار الوقود تضاهي المعدلات العالمية مما زاد من أعباء المزارعين ورفع تكاليف النقل، في حين شهدت أسعار الكهرباء ارتفاعاً بنسب تصل إلى أضعاف المئة في المئة. وفي المقابل، قامت السلطات بتعديل أجور العاملين في القطاع العام والمعاشات التقاعدية، لكن قيمة هذه الزيادات تلاشت سريعاً مع استمرار الأسعار في الصعود. وتوضح فاطمة أن أسرتها أصبحت تقتصد في الطعام واستغنت عن شراء الدجاج واللحوم والاكتفاء بالخضروات التي باتت هي الأخرى باهظة الثمن.
ولا يختلف حال بقية المواطنين عن هذا الواقع، حيث توقف كبار السن عن تناول اللحوم، بينما تعجز عائلات أخرى عن توفير ثمن أدوية الأمراض المزمنة. وأفادت إحدى السيدات بأنها وأطفالها الأربعة لا يستطيعون الحصول على وجبة مشبعة إلا مرة كل يومين. كما يوضح المتقاعد مروان بشور، البالغ من العمر 68 عاماً، أن دخله الشهري يبلغ نحو 90 دولاراً وهو الحد الأدنى للأجور في القطاع العام، مؤكداً أن المبلغ لا يكفي على الإطلاق ويضطره أحياناً إلى الاقتراض أو بيع مقتنيات المنزل والأثاث لتأمين المصاريف.
وكان الكثير من السوريين يعتمدون على المساعدات المقدمة من المنظمات الإغاثية، لكن هذا الدعم توقف بعدما اضطرت تلك المنظمات إلى تقليص خدماتها بسبب نقص التمويل. وتأتي هذه التطورات في ظل تقارير صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تشير إلى أن 90 في المئة من السوريين يعيشون في حالة من الفقر. كما لم تكن سوريا بمنأى عن تداعيات الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، حيث صرحت الحكومة بأن رفع أسعار الوقود يعود جزئياً إلى الضغوط التي تعرضت لها أسواق الطاقة نتيجة لهذا الصراع.
وفي أزقة دمشق الفقيرة، يوضح نبيل الرمحين، البالغ من العمر 63 عاماً، أن أبناءه الأربعة البالغين لم يتمكنوا من العثور على عمل، وأن الأسرة أصبحت تتناول وجبة واحدة في اليوم في ظل ارتفاع التكاليف. ولتجنب فواتير الكهرباء المرتفعة، يلجأ نبيل إلى تقليل الإضاءة وفصل الثلاجة لعدة ساعات يومياً، ومع ذلك بلغت قيمة الفاتورة الأخيرة ثلث دخل الأسرة دون قدرة على سدادها.
ويرى الدكتور حايد حايد، الباحث الاستشاري في مركز تشاتام هاوس للأبحاث، أن قطاعاً كبيراً من السكان أصبح في وضع أسوأ مما كان عليه قبل سقوط النظام السابق، مؤكداً أن الأزمة الاقتصادية تُعد من أشد القضايا خطورة، وتعود جزئياً إلى نقص الموارد وإرث النظام السابق، إلى جانب كونها نتيجة مباشرة لسياسات جديدة تدفع البلاد نحو اقتصاد السوق الحر دون مراعاة تأثيرها المباشر على المواطنين.
ورغم الأزمة، حقق النظام الجديد بعض المكاسب برفع العقوبات الدولية وشطب اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، مع استعادة السلطات السيطرة على مناطق الشمال الشرقي الغنية بالموارد. إلا أن التعافي الاقتصادي الشامل لا يزال بعيد المنال في ظل دمار واسع وتأكيد البنك الدولي أن تكاليف إعادة الإعمار تقدر بنحو 216 مليار دولار، مشدداً على أنه بدون مساعدات واستثمارات خارجية يستحيل إعادة بناء البلاد. ويحذر الاقتصاديون من أن فشل الحكومة في إدارة التوقعات الحالية قد يؤدي إلى انزلاق الأوضاع نحو الفوضى في حال عدم اتخاذ إجراءات معالجة سريعة.

قد يهمك أيضـــــــا :

سوريا تغلق معبر نصيب مع الأردن بعد غارات جوية

بوتين يؤكد للشرع دعم روسيا لوحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها

 



إقرأ المزيد