جريدة الإتحاد - 10/31/2026 8:04:54 PM - GMT (+4 )

كنيسة حِمُود.. من حِفظ الدم إلى سَفكه
مؤخراً سادَ خطابٌ ناعم، مفاده التعايش والتآخي مع أتباع الدين المسيحي، وهو خطاب علني يتم انتقاؤه وتشذيبه كلما استُهدفت كنيسة بعمل إرهابي بدافع التطرّف، وهو معلن لأنه يُطرح أمام الحكومات الرسمية وفي الفعاليات والمناسبات العامة، غير أن خطاباً آخر كان يمور تحت هذا الخطاب المعلن، ويصدر عن ذات الجهة التي غذّت هاذين الخطابين في ذات الوقت، أحد هذين الخطابين يفيض بالإقصاء والعنف ورفض الآخر.
ولكي تكشف هذا الخطاب وحامله يلزمك فقط الوقوف عند مفرداته أولاً، والتي تُعد مؤشرات تفضح مقصدية هذا الخطاب، رغم محاولة إبراز سلميّته وتعاضده ووحدته الوطنية، وهكذا يمارس الإسلام السياسي ومنظومته المتشعبة وأحزابه ذات التسميات الناعمة الازدواجية الخطابية، بحيث يجري الإعلان عن خطابين، أحدهم مؤيد لمفهوم الدولة الوطنية والتعاضد والسلم الأهلي، وآخر يحمل مفاهيم ومدلولات مُترعة بالنيل والانتقام من الآخر، ومن هذه المفاهيم والمصطلحات: المستأنس والذّمي والطاغوت والصحوة وسواها... إذ يمكنك أن تقرأ الإنسان وتحدد موقفه الأيديولوجي فقط من لسانه وليس من سلوكه ومظهره. وهنا يلزم الالتفات إلى فكرة خطيرة، مفادها قدرة أحزاب الإسلام السياسي على التلوّن من خلال إصدار خطابات ثنائية متزامنة، وذلك لكي لا يكشف عن أفراد ومنتسبي ذلك التوجه في السياق العام، ومن ملامح ذلك الخطاب المتواري أنه خطابٌ انفعالي وحماسي، يتعمّد بدايةً الركون لأحكام دينية جاهزة، أحكام لا يعمل فيها العقل والتعقل والتفكير الناقد، فهذه الجماعات تحاول ومن خلال الانفعال الخطابي سد أفق التفكير والتحاور لصالح خطاب مشحون بمواقف تاريخية يابسة تجعل من المتلقي العام مُذعناً ومتوافقاً، فخطاباتهم لا تثير الشك بقدر ما تكرّس السائد الذي يسهل دَمغه بالقداسة بحيث يصعب مسّه.
وفي كنيسة حمود في الكرك شاهدنا كيف قدم خطباء الإسلام السياسي في العزاء أنفسهم غاضبين ساخطين على المتطرفين الذي أراقوا دماءً بريئة، وذلك بنفس النسق والمنهجية المعتمدة على الصراخ صوتياً، والتهويل من الواقعة من خلال إسناد تاريخي يصعب التحقق منه أو دحضه، وبشواهد تاريخية كثيرة تشير إلى قيم التعايش والتآخي، ولكن غاب عن هذا الخطاب مفهوم المواطنة والعدالة والقانون والعقوبة، رغم أن العقوبة هذه هي في قاموس أولئك قصاصٌ لم يتخلَ عنه الإسلام السياسي عبر سيرورته إلا في هذه الواقعة، التي أظهر فيها المتأسلمون تعاطفهم وإنكارهم، فنسوا أو قل تناسوا أن خطابهم المتواري ذلك كان خزّاناً لوقود لفكر استطاع ملء المناخ العام وامتلاكه مبكراً، ودون إفساح المجال للتدبير والتفكير في المستجد والمعاصر والمحايث، فسُحب الهواء من أمام كل من يريد استنشاق عبير التعايش والسلم والأخوّة بين أفراد المجتمع الواحد، إذ كل ما يريده هذا الخطاب هو الاستيلاء على مصدر التشريع والرأي القانوني من جهته الدينية المغلقة، لذا فإن أي خوض في قيم الانتماء الإنساني تعني سحب صلاحية ذلك الخطاب الذي رَفض قبلاً حتى الرافعة الوطنية وحصر هذا الاتجاه في حظيرته المنحصرة في الجماعة والأمة التي يرسمها بريشة السيف والوعيد والترهيب.
وبالمحصّلة فإن الإقدام على قتل الأبرياء لأنهم غير مسلمين هو نتاج طبيعي لشحن ممنهج مورس من قبل من حرّف التدين ولعب طويلاً على أنسجة اللغة، فإماطة اللّثام عن ذلك الخطاب تعني أن الإرهاب هو نتيجة طبيعية لتطرف خطابي بات الاشتباك معه ضرورة لا مفرّ منها، فلطالما كانت المواجهة مع التطرف مواجهة في حقول التفسير والتأويل ومفهومية النص وتلقّيه، ومعها لم يَعُد السكوت عن تلك الازدواجية الخطابية مُبرراً، وبات أمر ملاحقته وحصره مهمة تخص النخبة والشرعية التي تتخذ من مفاهيم المواطنة وسيادة القانون مرجعية لها، كل ذلك في سبيل تشريح البناء الفكري الإقصائي لضمان عدم الاستثمار في الشعور الديني وصون كرامة الإنسان دون تمييز فكري.
*أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية
إقرأ المزيد


