جريدة الإتحاد - 8/4/2025 11:34:21 PM - GMT (+4 )

أفضت سياسة حصار إسرائيل لقطاع غزة ومنع دخول أي مساعدات إليه، منذ انتهاكها هدنةَ يناير 2025 في مارس الماضي، إلى نتائجها المحتومة، وهي الوصول بالقطاع إلى حالة المجاعة، كما تشهد بذلك صور ضحاياها التي تذكرنا بالأهوال التي تعرض لها نزلاء المعتقلات الجماعية في ظل الحكم النازي.
ومع ذلك فإن جهات عديدة، منها دول ومنظمات دولية، دخلت في جدل عقيم حول وجود المجاعة من عدمه، وهل وصلت الأمور إلى حد المجاعة أم أنها لا تتجاوز مجرد نقص في إمدادات الغذاء وخلل في توزيعها، وذلك بهدف تفادي انتقاد السلوك الإسرائيلي وإدانته، وبغيةَ التهرب من مسؤولية مواجهته. وفي مقابل هذا النهج غير المسؤول، برز نهج آخر يحاول القيام بدور إنساني للتخفيف من حدة المأساة الإنسانية في غزة، وكانت دولة الإمارات في مقدمة المتّبعين لهذا النهج، فاستأنفت بالتعاون مع الأردن عملية «طيور الخير» في إطار «الفارس الشهم3» التي كانت قد بدأتها في نوفمبر 2023. وفي هذا السياق تم إسقاط المساعدات جواً، وتبعتها بعد ذلك - وفقاً لذات النهج - أربع دول أوروبية هي فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا. ولم يقتصر الأمر على الإسقاط الجوي للمساعدات الغذائية، وإنما امتد لمحاولة تقديم المساعدات الإغاثية الطبية للقطاع عبر كل السبل المتاحة بقيمة إجمالية تجاوزت 1.5 مليار دولار، وفقاً لخدمة التتبع المالي التابعة لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الذي وضع الإمارات في صدارة الدول الأكثر دعماً لقطاع غزة. وهذا إضافةً - بطبيعة الحال - إلى استمرار جهودها في توفير المياه الصالحة للشرب، حيث أُعلن في منتصف الشهر الماضي عن بدء تنفيذ مشروع لإمداد المياه المُحَلَّاة من الجانب المصري إلى جنوب القطاع عبر خط ناقل جديد، يُعَد الأكبر من نوعه.
غير أن اليد الواحدة لا تصفق، ومضاعفة الجهود من قبل الدول والمنظمات الدولية الإنسانية العاملة، وفقاً للنهج السابق، لا تكفي وحدها من أجل مواجهة المجاعة في قطاع غزة، وإنما لا بد من ضغوط حقيقية على إسرائيل كي تقبل بالحل السياسي للمعضلة الراهنة في القطاع، وهو الحل الذي يضمن لأهلها حقوقَهم وأرضَهم وأمنَهم، مع توفير الضمانات الكاملة للطرف الآخر، حتى لا يستخدم أي تهديد محتمل ذريعةً للنيل في أي وقت من أمن الفلسطينيين. كما أن أي حل مستدام لا يمكن أن يقتصر على غزة وحدها، وإنما يجب أن يمتد للضفة الغربية التي تعيث فيها القوات الإسرائيلية فساداً منذ شهور، وتعصف بأبسط حقوق الإنسان الفلسطيني، بدعوى الاجتثاث الكامل للفصائل المسلحة التي لا نرى لها من المظاهر سوى أعمال فردية محدودة، أو محاولات للدفاع عن النفس اتقاءً لهجمات المستوطنين التي تجاوزت كافة الحدود تحت سمع الجيش الإسرائيلي وبصره.
والواقع أنه لا مناص من الحل السياسي إن كان العالم يريد هدوءاً واستقراراً مستداماً في فلسطين والشرق الأوسط، وهذه هي المعضلة، لأن كل المؤشرات تومِئ إلى أن الائتلاف الحاكم في إسرائيل لا يمكن أن يقبل هذا الحل، بل ثمة شكوك حتى في حال تغييره في أن أي ائتلاف حاكم جديد يمكن أن يقبل بسهولة بالحل السياسي الشامل للضفة وغزة، على ضوء الواقع الاستيطاني المتفاقم في الأولى، والخطط التي تُحاك وفقاً لبعض التقارير لرسم مستقبل غزة اتساقاً مع رؤية كل من إسرائيل والإدارة الأميركية لهذا المستقبل.
*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة
إقرأ المزيد